Vous êtes ici : Accueil / Littérature / Contemporaine / Revue littéraire / أدب البدون ومسألة الهوية والانتماء - Revue littéraire

أدب البدون ومسألة الهوية والانتماء - Revue littéraire

Publié par Fatiha Jelloul le 24/02/2023

Activer le mode zen

تتناول هذه الورقة أدب البدون الذي برز في المشهد الثقافي العربي ليطرح أسئلة قضايا مجتمع البدون، حيث وجد كتّاب البدون في الأدب فضاءات أوسع لإيصال أصواتهم ونقل معاناتهم، لذلك يبدو أدب البدون كخطاب اجتماعي وثقافي يلجأ إليه الكتّاب بحثا عن المواطنة المنشودة متناولين في أعمالهم مسألة الهوية والانتماء. وإذ يجسد أدب البدون معاناة عديمي الجنسية فهو يكشف أيضا عن إبداعات أدبية ذات دلالات وأبعاد فنية وجمالية برزت تجلياتها في الأدب العربي

 1- أدب البدون  ومسألة الهوية

أدب البدون: عن المقاومة والمنفى وصراع الهوية. (منشور، 28/7/2021)  برز نزوع ملفت نحو العقلانية وقضايا العدل والمساواة في عصر الحداثة، فقد سعى هذا النظام الحداثي إلى الإعلاء من شأن الإنسان وقيمته، وألقى بظلاله على المجال الأدبي، فأخذ الأدباء الحداثيون على عاتقهم إنشاء أدب خاص يعد امتدادًا للحياة، خلال سعي الإنسان فيها لتحقيق فردانيته.

بحسب الكاتب السوري جمال شحيد في خطاب الحداثة في الأدب، إن الأدب الحداثي التفت إلى المهمشين وما يعانونه من تمزق وقلق وانشطار في الهوية، وصدّره أدباء من هذا الهامش الاجتماعي ويقول أنطونيو غرامشي بحسب شحيد: «تصدر عن مثقف عضوي ارتبط مصيره بمصير الطبقات المحكومة لا الحاكمة، لأن هذه الطبقات تمثل الغالبية الساحقة من الناس.

وقد عبرت الرواية الحديثة عن تلك القضايا، حتى بات من غير الممكن فصل الرواية عن السياق المجتمعي، لأن الرواية إنتاج إنساني، وهي مادة غنية وفضاء يتسع لحمولات القضايا الثقافية، يتجذر فيه الواقع والحياة الإنسانية، وتأتي انعكاسًا لجوهر صراع الإنسان في هذا العصر الذي يرمي إلى إرساء قاعدة ذاتية يبني عليها فردانيته

تمكنت الرواية من تحليل الذات في المجتمع الحديث بعمق حتى تصدر موضوع الهوية فيها. والهوية كيان ذاتي يصفه الباحث مصطفى محمد طه  في مقاله «الهوية: الشكل والمضمون» بأنه «الشعور العميق الوجودي الأساسي للإنسان، والشعور العميق الخاص بانتمائه». وإذا تعرضت الذات للكبت أو ترافقت مع عدم الأمان والتشرد ولم تستطع التماسك، ستصاب الهوية بالهشاشة، مما يولد صراعها وأزماتها. والأزمة تعني التصدّع والاضطراب في العلاقات، والانكسارات في أشكال الروابط الذاتية والاجتماعية، كأن يتعرض الفرد للإقصاء من الجماعة، أو تتخطفه الانتماءات المتناقضة والمتعارضة في آن واحد.

يعد شعور الانتماء عصب الهوية، وشرطًا أساسيًا لوجود الفرد، وهو عامل مهم في رؤيته لنفسه كجزء من منظومة وكيان أكبر، ويعد أدب البدون تمثيلًا لأدب الهامش، وأرشيفًا لحفظ هوية البدون، التي تسعى السلطة لانتزاعها منهم

على رأس المسائل التي أثارها أدب البدون مسألة الهوية، إذ تقف هوية البدون أمام تحدٍ كبير في مواجهة الأوضاع والعقبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتمثل الرواية في أدب البدون واقعهم هذا، وتعكس التصدعات في ذواتهم خلال صراعهم مع الظروف والمجتمع، إذ تسبر أغوار الإنسان المسحوق والمشتت فيهم، وتثير اهتمام الناس بقضيتهم من خلال أسلوبها الذي يتخذ من الخيال الأدبي واللغة الفنية أدوات مؤثرة للتفاعل.

ونتيجة لتدافع قوى الصراع بين المركز والهامش، المتمثل في صعود قضايا حقوق الإنسان ونزول فكرة امتلاك طرف واحد لحقيقة مطلقة، خُلقت في الهامش آمال وأحلام وتطلعات للارتقاء بحيواتهم، فاتخذوا من الأدب وسيلة لبث الوعي والنضج بين الناس، ووجد الأدباء البدون بدورهم في الأدب خلاصًا، فارتموا في أحضانه مجسدين معاناتهم، ومنحهم الأدب فرصًا لحياة جديدة، يقاومون من خلاله الإقصاء ويحاولون التفاعل مع المجتمع.


البدون في الرواية الكويتية ( مجلة جامعة الملك عبدالعزيز، ص ص756 - 783 ،2021) يقسم (كاستلرر) الهويات حسب مقومات نشوئها إلى ثلاث :  هوية شرعية تنتجها المؤسسات الاجتماعية المهيمنة من أجل المحافظة على هذه الهيمنة، وهوية مصممة جديدة ينتجًها أفراد فاعلون في المجتمع وفقا لما يتوفر لديهم من الإمكانات والوسائل الثقافية التي تعيد تعيين مكانتهم في المجتمع، كما في جماعة النساء التي واجهت الثقافة الذكورية، وهناك الهوية المقاومة التي تنتج في حال التصنيف الدوني حيث يتبنى الهامشيون وسائل للدفاع عن وجودهم وفق قواعد ومبادئ مغايرة لما هو عند القوى المهيمنة. 

ويمكن ربط الهوية المقاومة بالأدب بوصفه  أحد منتجات الثقافة، وهو وسيلة ملائمة للنطق من خلالها حتى لو كان ثاًئراً ومتمردا عليها؛ فنصوص البدون تتحدث عنهم وتكرس ما تقوله الثقافة في هيئة ثورة وتمرد على أوضاعهم في المجتمع، وحرمانهم حق الانتماء للوطن الذي لم يعرفوا سواه، هذه الأوضاع التي يجري تفصيلها في النصوص الروائية هي ترسيخ لوضعية البدون في المجتمع وتأكيد على ما تفرضه السلطة الثقافية عليها، فالانضمام إلى هوامش هذه السلطة يفرض الالتزام بأوامرها  بوصفه اعترافا بالفضل لأنها قبلت البدون داخل أسوارها وإن لم تعترف بانتمائه الحقيقي لها، وهو ما عبر عنه الغذامي  بقوله " المؤسسات الاجتماعية هنا لا تروض رعاياها عبر فرض القيود علًيهم فحسب، بل إنها تقرر لهم سلفا  الوسائل التي يقاومون بها تلك القيود.. ما جرى اعتباره  ثورة ضد السلطة لم يكن في حقيقته سوى واحدة من وسائل السلطة لترسيخ وجودها، وبه تتوسع السلطة وتقوى" ويضرب لذلك مثالا باتساع قوة المؤسسة الثقافية الذكورية مع نشوء المقاومة النسوية؛ لأن هذه المقاومة تستمد وسائلها من خطاب الهيمنة ذاته فنجاح الثورة محكوم بسقوطها  بوصفها خطابا معارضا وهو ما يرد على لسان البدون في رواية الصهد (ما لم نكن ننتبه إليه هو أننا كنا نؤكد  على إقصائنا وندعمه)

وفي هذا الخطاب يمكن ملاحظة مدونات نصية تهتم بتصويرتجليات البدون في العمل الإبداعي في ظاهرها،  وهي نقض لتداعيات القبيلة والانتماء ، والعنصرية وملابساتها في باطنها؛ فالراسخ في الثقافة هو ازدراء وانتقاص من لا يحمل الجنسية/ الهوية الوطنية حين يحرم حق الانتماء إلى الوطن بمفهومه الحديث (دونية) أما النصوص فالظاهر فيها أنها تحاول الدفاع عن هذا البدون وتجعله في منزلة فوقية، إلا أن النسق المضمر الذي يمكن اكتشافه من خلال هذه النصوص يعود بنا إلى ما ترسخ في الثقافة حيث الدونية (القبيح)؛ فهناك جوانب تناقض أو تناهض هذه الأنساق وترفضها ظاهرياً لكنها تؤكدها ضمنيا، فما يقوم النسق الظاهر بترسيمه من خطاب البدون المباشر، يقوم النسق المضمر بتقويضه من وسائل استخدمتها شخصيات البدون بوصفها برامج مضادة للأنساق الثقافية المضمرة حول قضيتهم لكنها في الحقيقة عمقت هذه الأنساق وبلورتها بصورة  أخرى

 ولما كان المكان عنصرا ثقافيا ومجموعة من القيم  والضوابط؛ فإن التفاعل معه هو تفاعل ثقافي بالدرجة الأولى، وما يطبع هذه الروايات (في حضرة العنقاء والخل الوفي، سلالم النهار، ساق البامبو، الصهد، ارتطام لم يسمع له دوي) هو حرصها على المكان وتنوعه للتعبير عن الضياع في دوامة هذه الأماكن التي لا يمكن أن تحل محل الوطن/ الأم، بالنظر إلى أن الشعور بالانتماء إلى وطن ما يصعب نقله وبالتالي يصعب تحقيق الانتماء لوطن آخر/ مكان آخر، وهذا يفسر تركيز الروايات على ثيمة السفر والرحيل والهجرة عندما يضيق بك الوطن؛ مما يعكس حالة الاضطراب التي يعيشها البدون،

2- الأبعاد الفنية والأدبية في أدب البدون  

أدب البدون (الجريدة، 17/1/2012). كما أن لقضية (البدون) أبعادها السياسية والاجتماعية، فإن لها أيضاً بعدها الأدبي الإنساني الذي يأتي انعكاساً مباشراً لتلك المعاناة المزمنة. وأدباء البدون هم شريحة من المخضرمين والشباب ممن وجدوا أنفسهم ضحية لمأزق (إداري/ سياسي/ إنساني)، وضحية لآبائهم – ربما - أو لظروف مرحلة تاريخية لاتزال مفتوحة على الاحتمالات.
يأتي في طليعة هؤلاء الشاعر سليمان الفليّح، الذي يمكن اعتباره عرّاب أدب البدون، فمعه يمكن تتبع البدايات الأولى للون من الشعر مكرّس للتعبير عن معاناة هذه الفئة، وإشكالية عيشهم على هامش مجتمع يشكك في استحقاقاتهم المدنية. وقد وجد سليمان الفليّح - كونه شاعراً – ضرورة توظيف أداة فنية يمكن من خلالها جعل تجربته الإنسانية أكثر شعرية وتأثيراً، فوقع اختياره على ظاهرة (الصعلكة) بجذورها التراثية وتشابهاتها الظرفية والنفسية. وتبدو (الصعلكة) أو استبطان حياة الصعاليك طريقاً لا مفرّ منه لشاعر مثل سليمان الفليّح يعيش تجربته الشعرية بمستوييها الفني والواقعي، ويراها ببصيرته الشعرية قدراً وواقعاً يتلبسه لا محالة، فيتخذها مطيته وأداته الوحيدة لبث معاناته واستهجانه لواقع ينبذه ويهمّشه.
يمكن اعتبار نص "البدو الرّحل" من ديوان (أحزان البدو الرحل) خير ما يعبر عن هذه المعاناة في شعر الفليّح فناً وموضوعاً. إنه نص يتفجّر بالشجن واللوعة، ويضجّ بذلك الروع وارتجاف الإنسان في انكساره ومراراته، وعذابات ارتحال قسري يتخذ بعداً روحياً ونفسياً أعمق مدى من بعده الواقعي. إن حكاية آخر جماعات البدو الرحل اللاجئين لبوابات المدن، معفرين بالحاجة والذل والفقر، تغدو في هذا النص أغنية فاجعة معذِّبة تعلن اندثار الصحراء وسقوط رموزها واندحار إنسانها: ها قومي انحدروا من مرتفعات الماضي – شُهْب الأعين – / تجلدهم ريح المستقبل نحو الواحات المأهولة بالأمطار هاهم مثل جراد القحط القادم من آخر إقليم في الدنيا / جاءوا وانتشروا في هذي الصحراء الرملية مثل الأحجار ها هم عند حدود الغيم الأزرق ناموا / فتوسّد كل فقير منهم/ عوسجه حلموا بالفجر وأبكاهم برق شقّ الظلمة "يشعق" / يتعرج في دائرة الأفق المغلق/ لكنه ما يلبث أن يخبو فابتلّت من أدمعهم عند الفجر الريح/ الأرض/ الأشجار/ هاهم قاموا/ ساروا نحو تخوم المدن الكبرى جوعى/ عطشى/ يستعطون الخبز اليابس والماء الآسن والنار هاهم عند حدود المدن الكبرى محنيو القامات/ منكسرو الهامات/ ومشتملون بأسمالهمو الرثة لا تكسوهم/ إلا الأطمار ها هم تجلدهم / كي تبعدهم/ عن أسوار المدن الكبرى/ خيالة جيش التتار هاهم يضطجعون هنالك/ مثل الأخشاب المنخورة خلف الأسوار هاهم ينطفئون هنالك/ عند حدود الغيم الأزرق مثل الأنجم/ كي يُسدل عن آخر أخبار البدو الرحل/ في هذا العصر ستار! أما في مجال القصة القصيرة يمكن الاستشهاد بمثالين من ناصر الظفيري وعلي المسعودي. ففي نص قصصي للأول بعنوان: (الرحلة الأولى أخيرة) يعبر الكاتب فيها عن إشكالية الاقتلاع القسري من ألفة المكان/ الوطن والعلاقات والتفاصيل الحميمة التي يعتادها الإنسان، وما تخلقه من تشبث وتعلّق يصبح الاقتلاع معه مؤلماً حدّ الشجن: "لو وضعت النملة في أعظم قصور العالم لبحثت فيه عن ثقب تشم منه رائحة الرمل وأسمته وطناً... رئتاي تعودتا على رياح الكوس وهبوب الشمال وعيناي تعشقان كراسي قهوة شعبية... قلبي يطير لشرائط الضفائر الملونة في كل صباح". وحين تطأ القدمان أرض المنفى القسري حيث الغربة واللاوطن، لا يطل على الروح المتعبة غير القشعريرة والهواجس المرّة: "ماذا شربت؟ لا أتكلم. تنزل دمعة صغيرة تمسحها الممرضة الهادئة، تربت على كتفي وتمضي. لن يأتي أحد ليراني. من يعرفني هنا؟! ربما لو متُّ سيضعونني في كيس بلاستيك ويحرقونني كالنفايات. هل سيعرفون كيف يصلون عليّ؟ حتى الموت ملعون هنا. لو مت هناك يا أحلام... هناك الموت جميل... سأطل من فوق أكتاف أحبائي أمسح دموعهم... سيكون لي وطن صغير وأسمع صوت العصافير كل صباح تغني للموتى أغاني الحياة... وهنا أموت وحيداً غريباً".

 

   أدب البدون (الجريدة، 24/1/2012) حول استشراف أدب البدون، نمثل في مجال القصة القصيرة بعلي المسعودي ونصه "سيد المحو". ولعل في العنوان ما يوحي منذ البدء بموقف بطل القصة من "وطن" يمحو وجوده ويتسيّد عليه بالاختيال والقسوة. هو الذي ما زال يعيش طفولة مرتعدة أمام خريطة معلقة في الفصل الدراسي، خريطة لم تعطه أمناً أو حلماً صغيراً يعيش عليه. وإزاء تلك الضآلة أمام هذا "السيد"، يبدأ اللاوعي برسم صورة لهذا الكائن: "يفتح فمه عن أسنان ذئب شرس... ويلف ذيله حول العنق... ويطارد... ويطلق الرصاص!" إنه "السيد" الذي لن يرعوي عن محو أولئك النابتين في أنحائه وإبادتهم كما تُباد الكائنات القميئة. أليس هو "سيد المحو" كما دعاه الكاتب في عنوان النص؟! أليس هو الذي قدم له الكاتب في مطلع النص: "نصف الحيوان ونصف الإنسان، القوي الجبان، الذي إن كشفتُ عن اسمه أباح دمي". وكيف سيكشف عن اسمه إلا بالكتابة، الأداة المثلى للتعبير عن الانسحاق والضياع: "وقبض على يدي بمخالبه وهو يصرخ بصوت متحشرج: ماذا تفعل؟، قلت: سأكتبك، قال: لن تفعل. كتبته، فمحاني!". *** أما منى كريم فتنتمي إلى الجيل الأصغر سناً بين الأدباء البدون. من مجموعتها الشعرية "نهارات مغسولة بماء العطش" نختار نصاً لعله الأوضح في رسم حالة الضياع والافتقار إلى الانتماء، وهو بعنوان: "وطن يقلقنا": أبحث عن وطن متسول/ ينتظرني عند عتبة الباب/ كي يطلب مني أشياء تدفئه وطن يعوضني جوع الطفولة/ وأيام التشرد/ أذكر كيف كنتُ أمد يدي للأرض/ فتبصقني وتلف كل مدارات الدنيا،/ بحثاً عن كلمة تسقطني فهل تلومونني عندما أضيع بين زحمة الآلام؟/ كم من الآهات تعبت مني/ غسلت أجسادها بالركام دون جدوى *** جدتي كانت تقول لي إن الله يحبنا/ حينها أيقنتُ أن الجنة ستمتلئ بالزنابق/ ولكن متى سيحدث ذلك؟ هل عندما تنطفئ الأزقة المقيمة في قلوبنا؟ أم عندما يمزقنا الحنين؟ لمنى كريم مدونة إلكترونية تعلن من خلالها لأنها ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق البدون، ونشر كل ما يتعلق بمطالبات هذه الفئة وأخبار تطورات القضية، بالإضافة إلى مساهماتها في برامج حوارية ومناظرات في أميركا وغيرها حول ذات الموضوع. وهذه مقتطفات من مقالات أدبية لها أثبتتها في المدونة: "إن دائرتي بلا ملامح، سلمها جدي لنا مشوهة بحماقته وعنتريته وجبن جدتي ورأسها المطأطئة. الدائرة خاصتنا غير صالحة للاستعمال البشري، دائرة: البرانيون/ المولودون خارج رحم الحياة. لذلك أحاول أن أخلق منك دائرة جديدة علّني أدخل – بالتهريب – إلى الحياة عبر دفع حساب شايك الأخضر، وحل واجباتك، والتحدث بالنيابة عنك، وترتيب أوراقك، ودفعك إلى الابتسام ..... كلها محاولات فاشلة، محاولات تسخر مني لأن المفتاح بكل بساطة بيد المكان، المكان السادي، المكان المستحيل المركز الهامش الذي نسي أن يضعني في صرته حين دخل – بالتهريب – إلى الحياة!

أدب البدون (2 – 2 )

اقرأ المزيد: https://www.aljarida.com/articles/1462016325743200100
كما أن لقضية (البدون) أبعادها السياسية والاجتماعية، فإن لها أيضاً بعدها الأدبي الإنساني الذي يأتي انعكاساً مباشراً لتلك المعاناة المزمنة. وأدباء البدون هم شريحة من المخضرمين والشباب ممن وجدوا أنفسهم ضحية لمأزق (إداري/ سياسي/ إنساني)، وضحية لآبائهم – ربما - أو لظروف مرحلة تاريخية لاتزال مفتوحة على الاحتمالات. يأتي في طليعة هؤلاء الشاعر سليمان الفليّح، الذي يمكن اعتباره عرّاب أدب البدون، فمعه يمكن تتبع البدايات الأولى للون من الشعر مكرّس للتعبير عن معاناة هذه الفئة، وإشكالية عيشهم على هامش مجتمع يشكك في استحقاقاتهم المدنية. وقد وجد سليمان الفليّح - كونه شاعراً – ضرورة توظيف أداة فنية يمكن من خلالها جعل تجربته الإنسانية أكثر شعرية وتأثيراً، فوقع اختياره على ظاهرة (الصعلكة) بجذورها التراثية وتشابهاتها الظرفية والنفسية. وتبدو (الصعلكة) أو استبطان حياة الصعاليك طريقاً لا مفرّ منه لشاعر مثل سليمان الفليّح يعيش تجربته الشعرية بمستوييها الفني والواقعي، ويراها ببصيرته الشعرية قدراً وواقعاً يتلبسه لا محالة، فيتخذها مطيته وأداته الوحيدة لبث معاناته واستهجانه لواقع ينبذه ويهمّشه. يمكن اعتبار نص "البدو الرّحل" من ديوان (أحزان البدو الرحل) خير ما يعبر عن هذه المعاناة في شعر الفليّح فناً وموضوعاً. إنه نص يتفجّر بالشجن واللوعة، ويضجّ بذلك الروع وارتجاف الإنسان في انكساره ومراراته، وعذابات ارتحال قسري يتخذ بعداً روحياً ونفسياً أعمق مدى من بعده الواقعي. إن حكاية آخر جماعات البدو الرحل اللاجئين لبوابات المدن، معفرين بالحاجة والذل والفقر، تغدو في هذا النص أغنية فاجعة معذِّبة تعلن اندثار الصحراء وسقوط رموزها واندحار إنسانها: ها قومي انحدروا من مرتفعات الماضي – شُهْب الأعين – / تجلدهم ريح المستقبل نحو الواحات المأهولة بالأمطار هاهم مثل جراد القحط القادم من آخر إقليم في الدنيا / جاءوا وانتشروا في هذي الصحراء الرملية مثل الأحجار ها هم عند حدود الغيم الأزرق ناموا / فتوسّد كل فقير منهم/ عوسجه حلموا بالفجر وأبكاهم برق شقّ الظلمة "يشعق" / يتعرج في دائرة الأفق المغلق/ لكنه ما يلبث أن يخبو فابتلّت من أدمعهم عند الفجر الريح/ الأرض/ الأشجار/ هاهم قاموا/ ساروا نحو تخوم المدن الكبرى جوعى/ عطشى/ يستعطون الخبز اليابس والماء الآسن والنار هاهم عند حدود المدن الكبرى محنيو القامات/ منكسرو الهامات/ ومشتملون بأسمالهمو الرثة لا تكسوهم/ إلا الأطمار ها هم تجلدهم / كي تبعدهم/ عن أسوار المدن الكبرى/ خيالة جيش التتار هاهم يضطجعون هنالك/ مثل الأخشاب المنخورة خلف الأسوار هاهم ينطفئون هنالك/ عند حدود الغيم الأزرق مثل الأنجم/ كي يُسدل عن آخر أخبار البدو الرحل/ في هذا العصر ستار! أما في مجال القصة القصيرة يمكن الاستشهاد بمثالين من ناصر الظفيري وعلي المسعودي. ففي نص قصصي للأول بعنوان: (الرحلة الأولى أخيرة) يعبر الكاتب فيها عن إشكالية الاقتلاع القسري من ألفة المكان/ الوطن والعلاقات والتفاصيل الحميمة التي يعتادها الإنسان، وما تخلقه من تشبث وتعلّق يصبح الاقتلاع معه مؤلماً حدّ الشجن: "لو وضعت النملة في أعظم قصور العالم لبحثت فيه عن ثقب تشم منه رائحة الرمل وأسمته وطناً... رئتاي تعودتا على رياح الكوس وهبوب الشمال وعيناي تعشقان كراسي قهوة شعبية... قلبي يطير لشرائط الضفائر الملونة في كل صباح". وحين تطأ القدمان أرض المنفى القسري حيث الغربة واللاوطن، لا يطل على الروح المتعبة غير القشعريرة والهواجس المرّة: "ماذا شربت؟ لا أتكلم. تنزل دمعة صغيرة تمسحها الممرضة الهادئة، تربت على كتفي وتمضي. لن يأتي أحد ليراني. من يعرفني هنا؟! ربما لو متُّ سيضعونني في كيس بلاستيك ويحرقونني كالنفايات. هل سيعرفون كيف يصلون عليّ؟ حتى الموت ملعون هنا. لو مت هناك يا أحلام... هناك الموت جميل... سأطل من فوق أكتاف أحبائي أمسح دموعهم... سيكون لي وطن صغير وأسمع صوت العصافير كل صباح تغني للموتى أغاني الحياة... وهنا أموت وحيداً غريباً".

اقرأ المزيد: https://www.aljarida.com/articles/1462028225888248200

3- التجربة الروائية لناصر الظفيري  

أدب البدون: عن المقاومة والمنفى وصراع الهوية. (منشور، 28/7/2021)  كان نتاج ناصر الظفيري السردي ضمن أول الأعمال الأدبية التي أصدرها الأدباء البدون في التسعينيات، مثل «وليمة القمر» عام 1990 و«عاشقة الثلج» عام 1992 و«سماء مقلوبة» عام 1995.

يعد الظفيري صوتًا معبرًا عن قضية البدون وأهم من كتب عنها، إذ حملها في أدبه قضية كبرى عُرف بها. يقول الظفيري في أحد حواراته عن قضيته إن «الوعي بها ارتبط معي بالفقر الذي صاحبها، كان ذلك فقرًا يرتبط بالمكان المهمش الذي صنع الإنسان الهامشي الملقى بعيدًا عن تطور البلاد التي تشهد ثورة نفطية بشكل متسارع، لا يلقي بظلاله عليه. كانت الجهراء إحدى هذه الضواحي المنبوذة التي ضمت أطيافًا من البدو، الذين استوطنوا المدينة بعيدًا عن صحراء الجدب والقحط، كانت الوظائف الممكنة لهم هي الجيش والشرطة وبقية الأعمال الخفيفة التي يجيدها هؤلاء الأميون المتعبون. عشت معاناة الناس وبؤس حياتهم، وحين اكتشفت أنني مولع بالكتابة كانوا هم هدفي، أشكل من حيواتهم ما يصلح للكتابة. كنت مغرمًا ككاتب بشخوصهم وجنونهم وولعهم بالحياة، وكانت القصص الأولى لهم وعنهم».

  استلهم الظفيري تجربته ومشاهداته في رواياته منطلقًا من هموم ذاتية، وعكس أزمة الفئة التي ينتمي إليها وآلامها، فتواترت رواياته التي تناولت معاناة البدون في تمزقهم وتشتتهم وحيرتهم، وصنع واقعًا متخيلًا في رواياته لا يتقاطع تمامًا مع الواقع الفعلي ولا يتناقض معه، وذلك لتقديم رؤية معينة وموقف محدد يتبناه من قضيته. نلحظ في رواياته مشاهد حقيقية عاش الظفيري بعضها شخصيًا، كوصفه لحيوات الناس في الجهراء، والطرق التي تفصلها عن العاصمة، ونقله بعض الأحداث المجتمعية والتاريخية والسياسية، كرفض قبول البدون في الجامعة، والغزو العراقي والمقاومة الكويتية، وتداعيات قرارات الهجرة إلى كندا. اتكأ على تلك المشاهد فأنتج لنا أعمالًا أدبية شديدة الارتباط بواقعه وتجربته واهتماماته المعرفية، التي تَبرز على شكل أفكار ورؤى وأحداث تتبناها شخصياته الفنية.

يترك الوطن والمنفى بصمتيهما على هوية البدون، وقد أولى الظفيري في رواياته عناية كبيرة لهما، وذلك لارتباط حياته بهما، والأجواء النفسية التي تشكلت حولهما، فهما قوام رواياته، ولعبا دورًا بارزًا في التعبير عن إشكالية هوية البدون، فهما أساس صراعهم وعدم استقرارهم، وجذر مشكلتهم التي تفرعت منها جميع المشاكل الأخرى.

يحمل الإنسان المنفي بين ضلوعه معاناة ويعيش في وحدة، ويكون غريبًا ويعيش حالة من الانفصال والانشطار، فقد اقتُلع من جذوره الأصلية في الوطن، وأخفق في مد جذوره في المنفى.

يحيلنا المنفى تلقائيًا للحديث عن الوطن، الذي هو حاضن للإنسان ومستقره وأمانه ومؤسس لهويته الأولى، وهو في روايات الظفيري قضية أساسية مفسرة لمشكلة البدون بكل تجاذباتهم وصراعاتهم، إذ عاش فيه الظفيري ورصد ملامحه ممزوجة بخياله ورؤاه، وهو مبتعد عنه في منفاه، فهو على حد وصف الكاتب والمترجم الأردني غالب هلسا في كتابه "المكان في الرواية العربية" مكان عاشه مؤلف الرواية، وبعد أن ابتعد عنه أخذ يعيش فيه بالخيال

يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار عن تلك الحالة في كتابه "جماليات المكان" المكان الممسوك بواسطة الخيال لن يظل مكانًا محايدًا، خاضعًا لقياسات وتقييم مسّاح الأراضي. لقد عيش فيه، لا بشكل وضعي، بل بكل ما للخيال من تحيز. وهو بشكل خاص في الغالب مركز اجتذاب دائم، وذلك لأنه يركز الوجود في حدود تحميه».

أما المنفى فهو مكان ثانٍ تلجأ إليه الذات المقتلعة من وطنها ومكانها الأول وأرضها الصلبة التي تأسست فيها الهوية، يلجأ إليه المنفي اضطرارًا، ويعيش فيه تائهًا، وتزداد أزمته فيه اضطرابًا، فهو بحسب إدوارد سعيد في كتابه «صور المثقف" " أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة. وفي أزمنة ما قبل العصر الحديث كان الإبعاد عقابًا مرعبًا بصفة خاصة، لأنه لم يكن يعني فقط: أعوامًا يعيشها الإنسان تائهًا دون هدف، بعيدًا عن الأسرة وعن الأماكن المألوفة، بل يعني أيضًا: أن يكون أشبه بمنبوذ دائم، لا يشعر أبدًا كأنه بين أهله وخلانه، ولا يتفق البتة مع محيطه، لا يتعزى عن الماضي، لا يذيقه الحاضر والمستقبل إلا طعم المرارة"

دلالة المكان في رواية "الصهد"  لناصر الظفيري (مجلة نزوى، 7/11/2015)تبدو الفكرة الرئيسية التي يقدمها الروائي الظفيري في هذه الرواية هي قضية البدون وهم شريحة من الناس تعيش في الكويت دون أوراق ثبوتية وبالتالي لا يملكون الاعتراف الرسمي بكويتيهم وهذا ما يعيقهم في كل مراحل حياتهم من التعليم الى الشغل ويفقدهم الوجاهة الاجتماعية والامكانيات المادية في بلاد تعتبر من أهم دول الخليج وأكثرها تحضّرا وثراء..
في هذه الرواية يبدو ان الظفيري يحمّل المكان المسؤولية في قضية البدون، فجذور علي ابن شومان تعود الى والده الذي نشأ في الصحراء وكان فيها مهمّشا، قَدَرُهُ أن يولد في قبيلة متنقلة وتتلقفه الصحراء وليس مسؤولا عن قدره، لم يختر هذا الفضاء اللامحدود ولكنه وُجد فيه ويبدو ان وجوده في الصحراء ستتحوّل الى لعنة تصاحبه حتى عندما يسكن الكويت ويؤسس فيها عائلة اذ يبدو انه ظل لصيقا بالمكان الأول الذي نشأ فيه والذي تحوّل الى نذير شؤم، الى حظ سيئ، الى وصمة تلطّخ ماضيه وتشوّش عليه حاضره وتسرق مستقبله.. لذلك نجد الروائي الظفيري يستهلّ روايته على الطريقة السينمائية بمشهد عام للصحراء يختار ان يقدمها معتمدا على الوصف فيقول ( ص 11) :
« الحكاية التي نسجها الضجر لباسا لملل طويل من الانتظار اللانهائي لسكّان هذه الصحراء التي تعبث بمصائرهم وأرزاقهم، الحكاية التي صاغتها الريح لتتخلّل مسامات بيوت شَعَر الماعز المثبتعة في الأرض على عجل ليسهل اقتلاعها متى حانت ساعة رحيل مباغت بعد وصول نذير الماء».
يؤثث الروائي الظفيري سرده بمفردات بعينها ليصف المكان هي : الانتظار، الضجر، الرحيل ويضيف الخيال، الصبّر، الخرافة، الحزن، الأوهام، القيظ، البرودة، الشكّ….
ولعل من خلال مفردات الوصف نلاحظ ان الصحراء تصبح مرادفة للتيه والفراغ والضياع وتحيل على التلاشي ففي هذه الصحراء لا تستقر الحياة ولا يتأسس كيان ولا تثبت هوية، ولعل المفارقة الشديدة ان المكان عادة ثابت ولكن هذه الصحراء تبدو متحوّلة فلا تثبت على حال فتضاريسها تحتمل التغيّر ومناخها لا يستقرّ.. وهذا ما يجعل سكانها في تنقل مستمر وترحال لا ينتهي وينعكس هذا على مشاعرهم تجاه المكان فتكون ايضا متقلّبة، فهم يتعلقون بها مرة وينفرون منها أخرى وبالتالي لا تثبت تلك العلاقة الخاصة التي يربطها الانسان بالمكان.. بهذا المعنى تأخذ الصحراء المسؤولية كاملة في أن تنقض كل اتفاق ضمني بالتواصل والاستمرار والبقاء وبالتالي تفشل في تثبيت علاقة دائمة بها يقول الناقد شرحبيل المحاسنة « اذا وصفت المكان فقد وصفت الشخصية.. » (1) والروائي ناصر الظفيري في روايته « الصهد « لا يتعامل مع المكان بوصفه معطى جغرافيا فقط بل يوظفه للتعبير عن فكرة في ذهنه وهذا ما يجعله يتعامل مع المكان لا بوصفه تضاريس ومناخ بل بما هو وعاء ثقافي يحمل تعابير قيمية مختلفة بهذا الشكل يجعل المكان من ابداعه اي يحوّله من معطى طوبوغرافي الى معطى خيالي ومن ثمة الى معطى أدبي.
بطل الرواية شومان وضع حدا لتيهه في الصحراء لعزلته، لم يعد كائنا صغيرا في صحراء كبيرة جدا ومترامية الأطراف واختار أن يكون من سكان مدينة الجهراء ( في الكويت) وبذلك يضع حدا لسلطة الصحراء القاسية عليه ويؤسّس انتماء جديدا له بل ويتجذّر في هذا المكان الجديد فينجب أولاده ويدخلهم المدارس ويلقي بهم في جهات المدينة من أجل ضمان البقاء.. ولكن المدينة لا تقبله اذ يهدّم بيته بقرار حكومي لأنه لا يملك مستندات ملكية ولكنه لن يعود الى الصحراء التي لم تعد تعني له شيئا ويجد نفسه في تجربة قاسية يكتشف من خلالها انه وعائلته بلا وطن، بلا هوية، بلا انتماء يمثّل هدم البيت إهانة لكبرياء العائلة وجرحا في وجدانها تطبع العائلة بالانكسار والسلبية والعجز عن المواجهة فتستسلم وتكتفي بالتنقل الى أطراف المدينة..
هذا التحوّل من الصحراء الى المدينة هو تحوّل دلالي مهم جدا :
الصحراء : الامتداد، الوحشة، الفراغ، الصمت، الضياع، الضجر، الكآبة، القحط..
شومان : فقير، منعزل، متروك، = شعور باللاانتماء
**
المدينة : الألفة، السكينة، الهدوء، التحضّر.. .
شومان : زوج وأب، يعمل، له اصدقاء = شعور بالانتماء

الانتقال من فضاء لامحدود الى فضاء محدود : تحوّل من اللا انتماء الى الانتماء.

يقدم الروائي ناصر الظفيري علي أحد أبناء شومان علي كنموذج لأحد أبناء البدون الذي يبدو انه سيرث عن أبيه وزر اسمه ( شومان من الشؤم) وسيحمل مثله لعنة المكان فيعيش الاقصاء والتهميش ويشتد لديه الشعور بالانبتات فيعيش الغربة في وطنه وتستبدّ به مشاعر الضياع النفسي والتيه فاذا به يفقد تدرجيا علاقته بالمكان ويهاجر الى الشمال، الى الغرب بحثا عن انتماء في بلاد اخرى.
2 – أزمة المكان :
تأخذنا رواية « الصهد « في جزء كبير من سردها الى البطل الرئيسي وهو علي ابن شومان الذي يتحوّل الى سارد ينقل لنا أفكاره ورؤاه ومشاعره ونكتشف اننا أمام شخصية مركّبة وقلقة ومتذبذبة فهي رهيفة وصلبة، حالمة وواقعية… وأجده هنا نتاج للأمكنة التي تداولت عليه وخلّفت فيها أثره. تركيبة شخصية علي ابن شومان هي نتيجة لمكانين مختلفين : الصحراء التي لم يعش فيها ولكن يحمل لعنتها لأن قَدَرُه ان يكون ابن شومان الذي حُكم عليه انه من البدون والمدينة التي وُلد فيها وأحبّها ولكن عاش قسوتها عندما لم تعترف به ولعلّ غربة علي عن المكان سواء كان الصحراء او الجهراء تجعله يعيش أزمة المكان وتحيله الى تجربة اللاانتماء مرتين فهو لا ينتمي الى الصحراء هذه القاسية والمتقلّبة التي لم يعش فيها ولا ينتمي الى المدينة التي رفضته بكل قسوة وعنف ولم يعد يستطيع العيش فيها .
أزمة المكان التي تعني العجز على التواصل مع الفضاء الجغرافي بوصفه منظورا تتمثل بعض تجلّياتها في الشعور بغربة تجاه المكان تولّد الشعور باللا انتماء وهي تجربة قاسية جدا تشعر صاحبها بالاغتراب وهذا أشدّ شعورا من الغُربة فاذا كانت الغُربة تعني الانفصال عن الوطن فان الاغتراب يتجاوز ذلك ليصبح الانفصال عن الذات نفسها حيث لا يشعر الانسان أنه سيّد نفسه وعندما تنفصل الذات عن ذاتها تولّد الاحساس بالاحباط والضياع وتنمّي الشعور بالقلق والتوتر.. وربما لذلك كان علي على قلق يتوق الى الّرحيل، ولم يكن وحده بل صاحبه في الشعور بالاغتراب الفتاة ليال التي تعدّ أيضا من البدون.
أجد الروائي الظفيري هنا من خلال شخصيتي علي وليال يتحدّث عن البدون في جانبه الذكوري وجانبه الأنوثي فالاقصاء الذي يمارسه الوطن على أبنائه وتعمّد إهمالهم وتهميشهم يزرع في الشخصية المقصيّة سواء كانت ذكرا أم أنثى نفس مشاعر الاحساس بالظلم والغبن والقهر ونفس الشعوربالاغتراب.
و لذلك نجد لدى علي وليال هذه الرغبة الشديدة في الرحيل من الكويت والهجرة الى الشمال وتحديدا الى كندا وان كنت ألاحظ ان رواية « الصهّد « من أشد الروايات تعرّضا للأمكنة بمعنى ان هناك اشارة الى عدد كبير جدا من المدن والعواصم العربية والأجنبية في مناسبات شتى مثل اليونان والسعودية والعراق والسودان وفرنسا ولندن والبحرين وكندا والولايات المتحدة الامريكية وامستردام والهند واليمن ومسقط الخ.. . ولعل كثرة الاشارة الى بلدان أخرى تفسّر الضيق الشديد والتوتر الكبير الذي يشعر به البدون فتطيح به في دوّامة الأمكنة فاغترابه في وطنه الأم يولّد لديه الشعور بالغبن واحساسه بالمرارة والرغبة الجامحة في ايجاد مكان آخر يسع رؤاه وأحلامه، ولكن الأزمة التي يعيشها البدون ادراكه ان لا وطن آخر يمكنه أن يحلّ محل الوطن الأم على اعتبار أن الاحساس بالانتماء الى وطن لا يمكن نقله وزرعه في أي مكان آخر وهذا ما يجعل من شخصية البدون منطوية وقلقة تتقن كبت مشاعرها مرّة وتتقن تفجيرها أخرى بامكانها ان تكون محافظة وفي استطاعتها أن تكون في ذروة المجون، تحنّ الى الاستقرار ويدميها الرحيل، يبدو أن علي وليال قد اختارا الهجرة وفي الحقيقة أجدها فُرضت عليهما فسافرا الى كندا بحثا عن الشعور بالاستقرار وإنتماء جديد.
انها هجرة من الجنوب الى الشمال من جنوب جاف وقاس وأرعن وجاهل لا يقدّر أبنائه الى شمال يحضن الغرباء ويقبل الاختلاف ويعترف بالانسان وكأن موسم هذه الهجرة التي تحدث عنها الروائي السوداني الكبير الطيب صالح لم يتوقف نزيفها بعد،

Pour citer cette ressource :

"أدب البدون ومسألة الهوية والانتماء - Revue littéraire", La Clé des Langues [en ligne], Lyon, ENS de LYON/DGESCO (ISSN 2107-7029), février 2023. Consulté le 18/05/2024. URL: https://cle.ens-lyon.fr/arabe/litterature/contemporaine/revue-litteraire/adab-al-bidun-wa-masalat-al-huwiyya-wa-l-intimae