Vous êtes ici : Accueil / Littérature / Contemporaine / إميل حبيبي الباقي في حيفا - Revue littéraire

إميل حبيبي الباقي في حيفا - Revue littéraire

Publié par Fatiha Jelloul le 19/12/2023
تتناول هذه الورقة ﺧﺼﻮﺻﻴﺔ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺮواﺋﻴﺔ للأديب الفلسطيني إميل حبيبي الذي يُعتبر من أبرز الروائيين الفلسطينيين والعرب بحيث مثل تيارا أساسيا في الرواية العربية المعاصرة، وأسس رؤية روائية حديثة من خلال تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية مستثمرة الموروث الثقافي العربي. شكل إميل حبيبي حالة نضالية من أجل وطنه فلسطين من خلال كتاباته كمخزون ثقافي يقاوم الاندثار ويحافظ على هوية وطنه الذي تشبث بالبقاء فيه، فقال : " وأنا أحلم أن من يريد أن يراجع حيفا، أو عكا، أو حتى يافا، قبل عام 1948، يستطيع أن يعتمد على كتاباتي. مرة أخرى أقول لكم: هذا أستطيعه أنا بفضل أنني بقيت، وبعد عمر طويل تركت من ورائي وصية أن يكتب على قبري فقط جملة واحدة: "باق في حيفا"، وأن أدفن في حيفا."

 1-صورة إميل حبيبي الباقي في حيفا

محمود درويش- موعد مع اميل حبيبي (أدب، 12/4/2008)

https://www.youtube.com/embed/NTbwVi8PQRk

إميل حبيبي... الباقون لغةً وشعباً (رمان، 26/11/2017) بعد سنوات من القراءة ومحاولة المراكمة المعرفية في الشأن الفلسطيني، وتحديداً الثقافي، أجد أن لدي ما أفخر به من شعبنا، بعد أن قدم ما قدم من أسماء وكتب، بعضها سيخلده التاريخ.

قد يبدو من الكلام محاولة للفصل بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي؛ ليس هناك محاولة لمثل هذا الفعل المذموم على الإطلاق. ولكن فحوى القول هو أن فلسطين ولّادة من خصوصية قضيتها، ويحتمل إنتاج مبدعيها النقد، مثلهم مثل سائر المبدعين في العالم. وهنا لا بد من الإشارة بعناية إلى أن خصوصية الفلسطينيين تنبع من استمرار وجود الاحتلال، واستمرار معركة التحرر بأشكالها المختلفة؛ هذا الواقع يعطي المبدع الفلسطيني بعض الشرعية لقول أشياء ليس بوسع أي عربي قولها، اللهم إلا من انخرط في السياق الفلسطيني الثوري والسياسي والعسكري.

إميل حبيبي أحد هؤلاء الأسماء، خاض تجربة سياسية فيها من الأخطاء ما فيها، ولها من محاسنها ما لها، ومن الصعب جداً الخوض بنقد تجربته الأدبية باتكاء مقصود على السياسة، رغم أن أدبه اتسم تماماً بالسياسة، وذلك لكونه رجلاً متسقاً ومنسجماً مع نفسه تماماً.
 
وعليه، ليس نافعاً على الإطلاق تجريده عن السياسة، ولكن في أي سياق علينا وضع هذه السياسة، إن بمحاولات عتيدة يخوضها البعض للنيل منه، وطعنه بالخيانة بمسميات وأساليب مختلفة، أو بوضع الأمور في نصابها، ومراجعة تجربة الرجل كاملة، وتراجعاته الجريئة في وقت ما من حياته عن بعض ما رآه خطأ، وهنا من باب الندية، كم من مثقف عربي تجرأ على مراجعة مواقفة والتراجع عن بعضها؟!

بعضنا سينال منه، لأنه حصل على جائزة إسرائيل للأدب، ولكن علينا أن ننتبه لما قاله الرجل في فيلم «باق في حيفا» حول الجائزة: "في تلك الأمسية لم أشعر أكيداً بالفخر، في تلك الأمسية شعرت أن كاهلي ينوء تحت مأساة شعبي العربي الفلسطيني، ولكن علي أن أرتشف هذه الكأس، كأساً مرة، ولكني سأشربها من أجل شعبي"، فيما قال عن جائزة "فلسطين للأدب" التي منحها إياه ياسر عرفات إنها جائزة لبقائه في الوطن، حسب ما قال

  (الجزيرة، 18/10/2022)مع تميم - إميل حبيبي

https://www.youtube.com/embed/cLIgWmMNOzk

إميل حبيبي .. الوهم والحقيقة (البيان، 29/1/2007)  مؤلف هذا الكتاب هو خضر محجز، شاعر وروائي فلسطيني، صدرت له مجموعتان شعريتان وثلاث روايات: «قفص لكل الطيور، 1997»، و«اقتلوني ومالكاً، 1998»، و«عين اسفينه، 2005» التي تتحدث عن تجربة الإبعاد في الجنوب اللبناني، حيث كان أحد المبعدين الفلسطينيين البالغ عددهم أربعمئة وخمسة عشر شخصاً، والذين أبعدتهم إسرائيل إلى الجنوب اللبناني في المنطقة التي عرفت بمرج الزهور، وذلك في 17 ديسمبر 1992.

يتناول المؤلف في كتابه «إميل حبيبي: الوهم والحقيقة» موضوعاً حساساً للغاية في الساحة الفلسطينية، وهو موضوع الأديب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي الذي حاز على «جائزة الإبداع الإسرائيلية» عام (1992م)، وتسلمها من يد رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير، في عزّ الانتفاضة الأولى. وسبق له وأن تسلّم حبيبي «جائزة القدس» لعام 1990م من يد ياسر عرفات.

في بداية كتابه، يعيد المؤلف إلى أذهاننا أسئلة أكاديمية مطروقة من قبيل: لماذا إميل حبيبي، وما هي البنية الثقافية، وما هو المنهج والكيفية وآليات البحث فيه؟ ثم تتطور الأسئلة مع الذهاب في صفحات الكتاب إلى: لماذا أحببنا (المتشائل) بعد كل ما علمناه عنه؟ وقد قرأنا الرواية وتعاطفنا مع البطل المهشم ومنحنا لإميل حبيبي جوائزنا وإعجابنا. فلماذا الآن نقول فيه ما نقول؟

ويعثر المؤلف على أجابته في كوننا «أحببنا الصنعة. ولكننا لم نحب المصنوع. وعندما التبس الأمر على الصانع، وتماهى في المصنوع، كرهناه». لقد أحببنا الجمال في لوحة ترسم كيف يسيطر القبح على أرواح بعض الناس، ويحولهم إلى أعداء لأنفسهم؛ ولم نحب أبدا هؤلاء البعض، ولم نتمن أن نكون مثلهم، مهما تقلبت بنا الأيام.

وسبب ذلك هو فعل النسق الثقافي المتجذر في تاريخ التلقي العربي للأدب. ذلك النسق الذي ظل محكوماً بالنزعة الجمالية، التي صرفته عن قراءة الأدب، باعتباره درساً إنسانياً عظيماً. وألهتْه من ثمّ عن فضح تأثيراته السلبية، على مجمل الوعي العربي، حيث تكرس الفصل المبكر، بين المحتوى الفلسفي الأخلاقي للشعر والأدب، والبلاغة اللغوية، التي سُمح لها بأن تقول ما تشاء، ما دام قولها محروساً بالجمال التصويري، حتى ولو خالف كل قواعد المنطق والأخلاق.

وفي سياق البحث في مختلف جوانب شخصية إميل حبيبي الأدبية ومواقفه السياسية، تتكلل محاولات الوصول إلى إجابة عن بعض الأسئلة المهمة المرتبطة به وبمؤلفاته الأدبية، وعلى نحو خاص، ثلاثية المتشائل، وسبب تأثيرها الإيجابي في الساحة الأدبية العربية مع ما تحمله من رسائل خطيرة إلى المتلقي.

وفي الخطوات الإجرائية، يعود المؤلف إلى الشكلانيين الروس، وإلى موت المؤلف، والبنية الثقافية والتاريخ، ليعلن انحيازه إلى النقد الثقافي، بوصفه مشروعاً يسعى للتعامل مع النصوص الأدبية بواسطة إعادة وضعها داخل سياقها السياسي والاجتماعي الذي أنتجها، ذلك لأن النص علامة ثقافية، بالدرجة الأولى، قبل أن يكون قيمة جمالية.

ولا تتجسد دلالة هذه العلامة الثقافية إلا من خلال سياقي الإنتاج والتلقي، سياق المؤلف، وسياق القارئ، أو الناقد الذي تلقاها بعد ذلك في سعيه نحو التفسير والتأويل. وهو أمرّ سيحاول المؤلف تطبيقه في كتابه، من خلال اتباعه منهج نقد ثقافي يضع في اعتباره، وبنفس الدرجة، نقد الواقع، ونقد التمثيلات الرمزية المسماة أدباً. وهذا يقتضي الخوض في كتابات إميل حبيبي بوصفها ظاهرة ثقافية،

مقابلة إميل حبيبي مع محمد رضا نصرالله في برنامج (هذا هو) عام 1993م

https://www.youtube.com/embed/_blPU-c9n_A.

إميل حبيبي الباقي في حيفا (القدس العربي، 23/4/2018) شكّل حبيبي وكنفاني وجبرا رغم التباين الفكري والفني بينهم، المثلث الروائي والرافعة الأكبر في المعمار الروائي الفلسطيني. حبيبي «الباقي في حيفا» والمسكون بالسخرية المرة اللاسعة والأسلوب الشمقمقي والجرأة الإيروتيكية قضى حياته حاملا مرايا أدبية تعكس مزاميره الداعية للبقاء والصمود في الوطن حيا أو ميتا، والتشبث بالأرض والهوية بلا هوادة. ومن ناحية أخرى استقرأ التحولات في أعماق الفلسطيني الضحية، الباقي في وطنه الذي تركه أهله أو أرغموا على تركه عن طريق محاولة فك طلاسم وشيفرات «الوقائع الغريبة» التي طرأت لشريحة فلسطينية من الباقين في وطنهم، أضحت بفعل النكبة متهادنة ومتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي ولم يجرؤ أحد قبله على تشييدها في العالم القصصي أو الروائي الفلسطيني.
وانشغل جبرا إبراهيم جبرا عبثا في «البحث عن وليد مسعود» (1978) المختفي فجأة بين الحدود الأردنية العراقية عن طريق استقراء الشريط الذي تركه في مسجل سيارته، وبقي الاختفاء ينفتح على عدة تأويلات ومسارات ضبابية من قبل أصدقائه ومعارفه منها العمل الفدائي وغيره وانطلق كنفاني عبثا في البحث عن خلدون في «عائد إلى حيفا» (1969) ثم التوزع بين عقدة الذنب في تركه وتلقي صدمة النكران والرفض من قبل خلدون الذي تبنته أسرة يهودية وأطلقت عليه اسم دوف، وحين أصبح شابا جند في الجيش الإسرائيلي. لكن كنفاني في أعماله الأخرى مثل «رجال في الشمس» (1963) و«ما تبقى لكم» (1966) شكّل الصوت الصارخ في البرية لشخصيات روائية واعية، فقد أشعلهم وشحنهم بالصحوة الفكرية والثورة والتمرد والاعتماد على الذات لاستعادة المكان المسلوب، كل ذلك بفنية مميزة وبقوالب وطرائق سردية حداثية رائدة في المعمار الروائي العربي عامة.
في ظل واقع جديد ضياع وطن وهدم القرى والمدن الفلسطينية واقتلاع شعب وتشريده في الفيافي ومخيمات الذل، والاستيلاء على الأرض والمسكن، وقيام دولة إسرائيل، لفّت عباءة النكبة الجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها، التي قاومت الترحيل وتشبثت بالبقاء، بعد أن هجرت وهجرت غالبية الفئة المثقفة مع غالبية الشعب الفلسطيني، وخيمت حالة الانقطاع والقطيعة الثقافـــــية مع العالم العربي، ومع الكتاب الفلسطينيين المشتتين وضياع البوصلة، مرّ الأدب الفلسطيني في إسرائـــيل في حالة من القحط والتصحر والهبوط، فلم يصدر بين عام 1948 حتى عام 1953 أي كتاب أدبي مطبوع سوى ديوان شعر «ورد وقتاد» للشاعر الراحل جورج نجيب خليل ابن قرية عبلين الجليلية.
في ظل هذه الأجواء القامعة والطوق والحكم العسكري ومعركة البقاء الموسومة بالقول الشكسبيري «نكون أو لا نكون» وتغييب اللغة العربية، نشأ وشمخ أدب فلسطيني مبدع متحد ملتزم بالقضية والإنسان، مستشرف الغد الأجمل كل ذلك بخصوصية موضوعية وفنية حداثية وتجريبية ناجحة. والحقيقة التي يجب أن تؤكد أنه لولا صحف ومجلات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، «الاتحاد» «الجديد» و«الغد» لكان الأدب الفلسطيني في إسرائيل الذي هو غصن من زيتونة الأدب الفلسطيني من مطلع القرن العشرين وقبله قد أفل أو انتكس أكثر.
انشغل حبيبي في قصصه القصيرة بعيد النكبة بهموم الفلسطينيين الباقين في وطنهم، خاصة ثيمات الفصل والقطيعة مع أهلهم وأبنائهم المشتتين واللقاء المتخيل بينهم واستشراف العودة وتصوير الحواجز الفاصلة مثل بوابة مندلباوم، لكنه في «المتشائل» (1974) التي نحت عنوانها لغويا من التشاؤم بنسبة أكثر من التفاؤل فهو لم يختر المتفائم (ارتكازا على التفاؤل) بفعل النكبات والمآسي بحق شعبه انشغل بالفانتازيا والتلاعب اللفظي والسخرية السوداء من المحتل، ومن سعيد المتهادن مع المحتل والمعلق في الفصل الأخير على أعلى الخازوق بهدف تعريته، رغم اللبس في فك شيفرة هويته، كما حمل حبيبي في «المتشائل» خريطة فلسطين الانتدابية وأسماء القرى الفلسطينية المدمرة والمطموسة المعالم لإبراز الهوية الفلسطينية للمكان، فحين التقى الراوي الأشباح الهائمة في مسجد الجزار أمطره هؤلاء بالأسئلة عن شظايا أهلهم الذين التجأوا إلى لبنان:
«نحن من الكويكات، التي هدموها وشردوا أهلها فهل التقيت أحدا من الكويكات؟
أنا من المنشية لم يبق فيها حجر على حجر، سوى القبور، فهل تعرف أحدا من المنشية؟
نحن هنا من عمقا ولقد حرثوها ودلقوا زيتها، فهل تعرف أحدا من عمقا؟
نحن هنا من البروة، لقد طردونا وهدموها…
نحن من الرويس، نحن من الحدثة، نحن من الدامون، نحن من المزرعة، نحن من شعب، نحن من ميعار، نحن من وعرة السريس، نحن من الزيب، نحن من البصة، نحن من الكابري، نحن من إقرث. 

2 .إميل حبيبي أحد رواد الرواية العربية المعاصرة

 1.2 الموروث الثقافي العربي

إيميل حبيبي ... سيل الحكايات (مجلة نزوى،1/7/1996) يمثل عمل أميل حبيبي تيارا أساسيا في الرواية العربية  المعاصرة, تخز من تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية, وغير سردية, مجتلبة من التراث العربي  والحكايات الشعبية وأشكال لسرد الشفوي، وسيلته للخروج من قبضة الشكل لسردي الخطي الذي استطاع  نجيب محفوظ في ثلاثيته, وعدد آخر من رواياته التي تنتمي الى الخمسينات أن يعتصره ويقيم منه  عمارته الروائية.  لكن إميل حبيبي،على قلة ما أنتج من أعمال روائية, استطاع منذ كتب عمله شبه الروائي الأول «سداسية الأيام الستة " أن يقيم بناء عمله الروائي عل مواد متنوعة متغايرة وان يشكل عادته السر دية في دوائر متقاطعة: حكاية تجر الى حكاية بحيث ينسى القاريء الحكاية الأولى إذ ينجرف مع سيل الحكايات التي تذكر بأسلوب الف ليلة وليلة في الافضاء بقارئها الى سلسلة الحكايات التي تؤدي الواحدة منها الى الأخرى. والمتابع لأعمال إميل حبيبي عل مدار الأعوام العشرين الماضية سيجد أن الكاتب الفلسطيني الكبير لم يتخل في أي عمل من أعماله عن أسلوبه الذي بلغ ذروته في "المتشائل" والذي استطاع من خلاله شق طريق جديدة للرواية العربية. وقد تمثل هذا الاسلوب في إدخال مواد غريبة على السرد الروائي التقليدي وجعلها عناصر أساسية في تشكيل نصه الروائي اضافة الى تخليه بصورة نهائية عن عنصر الحكاية التي تتنامى عبر السرد لتبلغ نهاية مرسومة محددة. بل إنه على النقيض من ذلك عمل, على مدار تجربته الروائية, على التخلي عن الحكاية وعناصر الحبكة التقليدية متيحا فضاء السرد لأكبر قدر من التعليقات الجانبية والحكايات الصغيرة والتفصيلات الثانوية والتأملات والنجوى الداخلية بحيث أصبحت رواياته قريبة من التيار الروائي الذي يدعي الآن في أدب ما بعد – الحداثة بالميتا – رواية, أو الرواية التي تتأمل ذاتها، لكن عمل إميل حبيبي يقيم في الوقت نفسا وشائج وصلات قربى مع النثر العربي القديم وكتب السير والتاريخ والف ليلة وليلة والمقامات, بحيث تكثر في نصوصه الأشعار المقتبسة والحكايات والمواد التاريخية والطرائف والأمثال في نوع من المحاكاة الساخرة التي تكشف عن المعنى الضمني الثاوي في الحكاية الأصلية التي يفتتح بها نص الروائي. انه يعمل من خلال توسيع دائرة الحكاية وايراد تعليقاته عليها واغراقها بفيض من الحكايات الموازية والاقتباسات الشعرية والنثرية, على توجيه القاريء الى أصل الحكاية, الى معنى التراجيديا الفلسطينية وصراع البقاء الذي خاضته الأقلية الفلسطينية التي بقيت متشبثة بالأرض والوطن بعد كارثة 1948. ويوفر شكل نصه الروائي المبعثر المشتت, الذي يفتقد مركزا وبؤرة محددين, متسعا لسرد حكايات كثيرة معظمها مأخوذة من التجربة الحياتية للكاتب كما نتبين في عمله الروائي الأخير "سرايا بنت الغول ", وتعيد هذه الحكايات التي يتناسل بعضها من بعض, تأويل الحكاية الفلسطينية مرة بعد بعد مرة في نوع من السرد العنقودي الذي يتراكب بعضه فوق بعض طبقات في  " سداسية بداية الأيام السته" يحكى الراوي ست حكايات تدور جميعها حول عودة الفلسطيني الى بعض من أهله من خلال واقعة الهزيمة عام 1967. انها عودة معكوسة تبدو فيها الهزيمة مفارقة ساخرة وتعليقا مواربا على التراجيكوميديا الفلسطينية. وتمثل حكاية الطفل مسعود، الذي كان والده من العرب الباقين وأعمامه من العرب المشردين, الحكاية _ المفتاح التي تكشف عن عمق هذه المفارقة الساخرة. ان الطفل الذي يظن, هو وابناء حارته, انه مقطوع من شجرة لا أعمام ولا أخوال يكتشف بعد الهزيمة أن له أعماما وأبناء أعمام, فيتيه على أقرانه بعمه وأبناء عمه الذين كتشف وجودهم بعد أن احتلت اسرائيل الضفة الغربية. لقد ´ضق هذا الاكتشاف عل حياته معنى جديدا ولكنه وضعه في الوقت نفسا في مأزق لن يجد له حلا؟ إذ أنه يؤمن بتأثير الأفكار السياسية التي تحملها أخته, بضرورة انسجاب اسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها ولكن ذلك سيعيده الى حالته الأولى: مقطوعا من شجرة لا عم ولا ابن عم.

إخطية : إميل حبيبي تأملات في سردية التراث العربي (مجلة نزى، 1/1/2002) القصد من وراء اختيار هذا النص طبيعة النص ذاته, فهو نص مفتوح على أسئلة متناسلة, منها ما يمس محور هذه المداخلة، ومنها ما يثير أسئلة جذرية انسحبت على خصوصية النص الروائي، أو خصوصية الكتابة السردية عامة, فضلا عن خصوصية التجربة الفلسطينية والعربية في مواجهة حضارية تلخصها مقولة "هاملت" الشهيرة: (أكون أو لا أكون)، وفعل الكينونة هنا هو الوجود الدال على هويتي الحضارية، في تفاعلاتها مع (الآخر) دون مسخ أو تشويه، ودون تعصب أو تضخم مرضي.

هذه الأسئلة وغيرها، تمت صياغتها، سرديا، في هذا النص المتميز في التجربة السردية- الروائية خاصة- العربية الحديثة والمعاصرة.

"إخطية" عنوان يحتاج الى وقفة متأنية. والعناوين عند إميل حبيبي تحتاج إلى دراسة مستقلة، وتكفي الاشارة الى "سداسية الأيام الستة" الصادرة بعد هزيمة 1967، والتي تم من خلالها توظيف حرب الأيام الستة من خلال أضلاع وزوايا النجمة السداسية للعدو الصهيوني, أما "المتشائل" فهي تركيب للتشاؤم والتفاؤل من خلال الشخصية المركزية (أبوسعيد) التي أصبحت- وهي ذات التاريخ العربي العريق- على هوية جديدة- أصبحت شخصية اسرائيلية بالرغم عنها، فهل تتشاءم أم تتفاءل؟ وفي "سرايا بنت الغول" يقدم لنا خرافة "لونجة" بطبعة فلسطينية.

وجدير بالذكر أن هذه العناوين تظل مشدودة الى تجنيس مميز قصده الكاتب قصدا من خلال العناوين الفرعية, فـ"سرايا بنت الغول" هي خرافية أولا ورواية ثانيا حسب هذا الترتيب القصدي، أو قد، من جهة أخرى، يمتنع قصدا عن تجنيس نصوصه كما هو الشأن في نصه هذا، نص "إخطية".

ما دلالة العنوان؟ لا يجب أن نذهب بعيدا في التأويل من خارج النص، بل إن السارد في هذا العمل يكفينا شر السؤال مقدما لنا دلالة الاسم داخل النص،أي يصبح صوتا سرديا قبل أن يكون اسما منتسبا الى حقل اسم العلم المرجعي علما بأن هذا الاسم- اسم العلم- الذي يحمله النص يحتاج الى تفكيك معجمي يضيء دلالات الاسم وأبعاده السردية والفكرية.

إخطية: من خطأ./ الخطأ والخطاء: ضد الصواب/ أخطأ نوؤه: إذا طلب حاجته فلم ينجح ولم يصب شيئا/ الخطاة: أرض يخطئها المطر ويصيب أخرى قربها/ خطئ الرجل يخطأ خطأ وخطأة على فعلة: أذنب/ والخطأ ما لم يتعمد، والخطء ما تعمد/ الخطيئة: الذنب على عمد/ الخطء: الذنب في قوله تعالى: "إن قتلهم كان خطأ كبيرا"أي إثما وقال تعالى: "إنا كنا خاطئين" أي آثمين/ وقولهم: ما أخطأه! إنما هو تعجب من خطئ لا من أخطأ… الخ.

يقوم النص على حدث مركزي هو كالتالي: اضطراب حركة السير عند عمود ضوئي بسبب ظهور شخص غريب عن المكان،غريب بهيئته (ملثم بكوفية) فأشاع الفوضى والخوف في هذا الفضاء الذي أصبح شبيها بالجسد المصاب- كما عنون بذلك السارد أحد اقسام نصه- ب-(جلطة) توقفت فيها حركة السير، وتعبأت بسببها كل مكونات ؛الكيان الصهيوني وتنوعت التأويلات بين ارجاع هذا الشخص الى الصحون الطائرة أو من جهة ثانية ربطه بالوهم والاستيهام أو غيرها من التأويلات التي أجمعت على غرابة الشخص والحدث واللحظة، دون نسيان تعطل اشارات المرور التي غابت عن الكثيرين بسبب الهاجس الأمني المتحكم في كل حركة أو نأمة.

حدث بسيط قد لا يتجاوز زمنا لحظيا محدداغير أنه يكون سببا في تفجير العديد من المواقف في الماضي والحاضر، سببا في استدعاء التاريخ، تاريخ فلسطين العملي والوطني والجهوي والانساني، يكون سببا في تحويل هذه اللحظة الى سرد يقوم على (التداعي) والاستذكار لهذا التاريخ من خلال استحضار لحظات القوة ولحظات الضعف أيضا، الى حد تحويل النص الى سرد أولا وبحث في هذا السرد ثانيا، وإذا كانت (الرواية البحث) من أهم منجزات الرواية التجريبية (الحداثية) في أوروبا (Grillet/Butor) الخ. فان إميل حبيبي- وهذا مربط الفرس- يقدم لنا تجربة في الرواية- البحث من عمق التراث السردي، قبل أن يلجأ الى دعامة- دون الغاء عنصر التفاعل الذي لا مناص منه- حداثية اسقاطية، لم يتردد في السخرية منها داخل نصوصه، معتبرا هؤلاء مجرد مساكين يستحقون الرثاء" فيما يتظاهرون به من معاصرة, شأنهم شأن المقطوع من شجرة أو الذي نسي قديمه فأضاع جديده".

الحدث المركزي، إذن، في الرواية هو جلطة توقف فيها السير، سير التاريخ قبل أن يتوقف سير السيارات! وإذا كان السارد قد روى لنا ما جرى في تلك اللحظات من حالة استنفار للعدو بحثا عن الرجل الملثم، فإن السارد وهو قابع في سيارته منتظرا نهاية هذه الميلودراما،  في هذه الأثناء ترك لنفسه العنان الى أن حلت المفاجأة المجسدة في امرأة ممزقة الملابس، تحمل طفلة صغيرة وتهرول وسط السيارات المتوقفة، لم يكن الوجه غريبا عنه، إنها هي.. اخطية، إخطية،  التي مازالت كما هي، ملامحها لم تتغير، كبروا وظلت هي هي بالرغم من وجودها في هذا الوضع الملتبس، وفي هذه الأثناء غادر السارد سيارته المشلولة مطاردا "إخطية" التي اختفت في الزحام.

هكذا يمكننا أن نطلق على الرواية عنوانا موازيا هو: البحث عن إخطية مما يبرر اطلاقنا على هذا النص: الرواية- البحث. كيف تم انجاز "البرنامج السردي" في هذا النص؟

2.2 التهجين الروائي

صورة الباقين بأرضهم بعد النكبة (الجزيرة،18/10/2022) يمثل عمل إميل حبيبي (1921-1996) تيارا أساسيا في الرواية العربية المعاصرة ويتخذ من تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية وغير سردية، مجتلبة من التراث العربي والحكايات الشعبية وأشكال السرد الشفوي، وسيلته للخروج من قبضة الشكل السردي الخطي الذي استطاع نجيب محفوظ في ثلاثيته، وعدد آخر من رواياته التي تنتمي إلى الخمسينيات، أن يعتصره ويقيم منه عمارته الروائية.

ويقيم حبيبي في الوقت نفسه وشائج وصلات قربى مع النثر العربي القديم، وكتب السير والتاريخ وألف ليلة وليلة والمقامات. إنه يعمل من خلال توسيع دائرة الحكاية وإيراد تعليقاته عليها وإغراقها بفيض من الحكايات الموازية والاقتباسات الشعرية والنثرية، لتوجيه القارئ إلى أصل الحكاية، إلى معنى "التراجيديا" الفلسطينية وصراع البقاء الذي خاضته الأقلية الفلسطينية التي بقيت متشبثة بالأرض والوطن بعد كارثة 1948.

في "سداسية الأيام الستة" (1968) يحكي الراوي 6 حكايات تدور جميعها حول عودة الفلسطيني إلى بعض من أهله من خلال واقعة الهزيمة عام 1967. إنها عودة معكوسة تبدو فيها الهزيمة مفارقة ساخرة وتعليقا مواربا على "التراجيكوميديا" الفلسطينية.

وتمثل حكاية الطفل مسعود الذي كان والده من العرب الباقين وأعمامه من العرب المشردين، الحكاية/ المفتاح التي تكشف عن عمق هذه المفارقة الساخرة.

إن الطفل الذي يظن -هو وأبناء حارته- أنه مقطوع من شجرة بلا أعمام ولا أخوال، يكتشف بعد الهزيمة أن له أعماما وأبناء أعمام، فيتيه على أقرانه بعمه وأبناء عمه الذين اكتشف وجودهم بعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية.

لقد أضفى هذا الاكتشاف على حياته معنى جديدا، ولكن وضعه في الوقت نفسه في مأزق لن يجد له حلا؛ إذ إنه يؤمن بتأثير الأفكار السياسية التي تحملها أخته،  بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها، ولكن ذلك سيعيده إلى حالته الأولى: مقطوعا من شجرة لا عم فيها ولا ابن عم.

إضافات اميل حبيبي للجانر القصصي (الحوار المتمدن، 19/7/2010) بداية أود أن أؤكد على قضيتين الأولى: كان الراحل اميل حبيبي انسانا متعدد الجوانب متفرّع الاهتمامات, حيث كان كما يعلم الجميع سياسيا لامعا, وصحافيا موهوبا, وكاتبا بارعا وقصصيا فذّاً لذلك ستحصر هذه المقاربة نفسها في جانب واحد من هذا التنوّع الأدبي وهو الجانب القصصي, زاعما أن اميل حبيبي بقصصه القصيرة ورواياته شكّل ظاهرة متميزة متفرّدة بحيث استطاع بما قدّمه من أعمال قصصية أن ينتشل هذا الجانر الذي حاول تناول الموضوع الكبير/ فلسطين من محايئته للسطح والتسكع على الخارج والنبش في البراني وتحويله الى أدب يغوص في الأعماق ويسبرها ويفتش في حنايا الذات وفي سرية المجتمع ويتغلغل في الجواني.
أما القضية الثانية فهي: ان تجربة اميل حبيبي القصصية تستدعي منا الحذر الشديد في تناولها, ذلك لأنها تجربة طويلة ثرية في الخطاب القصصي المحلي والعربي, فهي تجربة تنفلش على مسافة زمنية واسعة عمرها نصف قرن من الزمان أو يزيد, وتسلّحت بكل ما استجدّ على ساحة الأدب القصصي محليا وعربيا وعالميا من تطور وتغيير وتجديد, الأمر الذي يستلزم تسييج هذه المقاربة وتحديدها بجانب واحد مخافة أن تنفلت لتطال جوانب أخرى فتتسطح عندها وتميل الى التشظيّ والانفتاح المروحي وتفقد بالتالي مصداقيتها.
استمرارا لما ذكر وتأسيسا عليه وبرهنة على ما زعمته تلزمنا الأمانة العلمية والموضوعية بأمرين يشكلان المساءلة الأساس التي تنهض عليها هذه المقاربة:
الأول: ما هي الإضافة التي أضافها أدب هذا الرجل على الجانر القصصي المحلي خاصّة والعربي بشكل عام؟ بمعنى: هل استطاع أن يخترق الظاهرة الى ما وراءها, وأن يكسر المألوف الى الشدهة؟ وهل استطاع أن يعكس في أدبه القصصي واقعنا وأن يخترقه ليبني واقعا آخر جديدا؟ والثاني: ما هي الوسائل التي استخدمها هذا الأديب في قصصه ورواياته حتى وصل الى ما وصل إليه؟
الأمر الأول يحتّم علينا الرجوع الى قصص إميل حبيبي واستقراءها من جديد لنتلمس المخزون الفكري الذي كمن وراءها. أمّا الثاني فيستلزم الوقوف على الآليات التي استخدمها الكاتب لنرى الى أهميتها من جهة والى جدّتها من أخرى مقارنة مع غيرها, ولنرى الى الإضافة التي أضافها الى مجمل هذا الجانر من ثالثة.
وسنركز الحديث على عمليه الرائدين سداسية الأيام الستّة والوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل وذلك لأنهما بوّآه مركزا مرموقا.
من الواضح تماما أن إميل حبيبي قبل ولوجه عالم الأدب كان قد تسلّح بمنظور فكري ثوري ورؤية نظرية تقدمية شكّلت القاعدة الأساس التي نهض عليها أدبه فيما بعد.
هذه الرؤية وهذا المنظور أكسباه مفهوما معينا لمجمل العمل الابداعي. ونعني بهما النظرية العلمية الماركسية التي اعتنقها الكاتب وامن بها كحل لمشاكل المجتمع ولمجراه الاجتماعي الثقافي والتي صدر عنها في مجمل ما كتب. هذه الرؤية التي جعلته يفرق بين مستغِلّ ومستَغلّ, بين غامس اللقمة بالدم وبين سارقها والتي جعلته بالتالي يكوّن قاعدة متينة مبنية على علم الجمال الماركسي الذي يعتبر الفن من أهم الوسائل التي تعكس واقع العالم الموضوعي جماليا الأمر الذي قاده الى ربط العمل الأدبي بالظروف الموضوعية المحيطة به من جهة والى انتهاج موقف انتقادي ازاء التراثين العربي والعالمي واختيار القطاعات التقدمية والانسانية ورفض كل ما هو غيبي وسلبي. لذلك كان مفهوم الثقافة أنّها لا يمكنها أن تنمو في برج عاجي أو أن تحوم في الفضاء بل تترعرع في تربة حاجات الجماهير المتزايدة الى الغذاء الروحي. مسترشدا بكلّ ما تقدّم, وجدنا اميل حبيبي في معظم ما كتب منحازا الى الفقراء- مفرّقا بينهم وبين الطبقات البرجوازية وشبه الاقطاعية التي تتباين في رأيه مواقفها وعلاقاتها مع الجماهير التحتية الفقيرة, وتصل في تباينها حدّ التناقض والعداء فهذه الطبقات ليس لها وطن, وطنها هو مصالحها الذاتية الأنانية, ومن هنا فانّها تضطهد الجماهير وتجعل حياتها طوقا مستمرا بعيدا عن الاحتلال, أمّا في ظلّه فانّها تحاول أن تتكيّف مع واقع هذا الاحتلال حتى تحافظ على مواقعها وأرباحها, بل انّها تضحي بكل شيء حتى بلغتها التي تختلف وتتناقض مع لغة العامة.

3.2 التراجيكوميديا في أدب إيميل حبيبي

كتابـةٌ تجـرح دون دم وضحكٌ يشبـه البكـاء (ديوان العرب، 1/5/2010) أعظم الفن ما جاء انتصارًا علي الألم والاغتراب والظلم، وأوفره دلالة وأبعده أثرًا وتأثيرًا ما خالطت في كلماته السخرية، واستوطنه الضحك المرُّ المستعلي، القاسم المشترك بين شعوب الأرض والملمح الأساسي في كل أدب رافض. ولكي نصل بالضحك إلي أن يكون فلسفة مقاومة، لابدًّ من تحقيق شروط كثيرة. أولها القدرة على فهم روح الشعب الذي ينطق باسمه، وطرق تفكيره، وفهم الأساليب والأنماط التعبيرية التي يواجه بها أيامه الصعبة. وكيف يمكن ( للنكتة) أن تكون منشورًا سرّيا يتداوله الأطفال قبل الكبار. وتلك مهمّة شاقة بلا ريب، لن يستطيع القيام بها إلا أديب ذو أصالة ذاتية وموضوعية، وذوعبقرية متميزة في اصطياد الفرح من غابات الحزن المظلمة التي يتيه فيها الإنسان العربي بعامة والإنسان الفلسطيني بخاصة.

إنه الاستعلاء الساخر، أو لنقل إنه الوعي الساخر الذي لا يملكه إلا مَن نفذ إلي النهايات البعيدة التي يتقهقر دونهما الطارئ الدخيل، واللا إنساني أمام الجذور الحية الضاربة في عمق الأرض والتاريخ حيث تستردُّ الأشياء نسقها الأمثل، ويكون لكل أمر مستقر.

وإذا كان الضحك ملكة إنسانية عليا، فإن القدرة عليه لا تكون إلا بعد أن يصل الوعي إلي حد الإمتلاك الكامل للأمل؛ وهو الجزء الذي يدْرَك عنده أوجه التناقض في الواقع البشري إدراكًا جارحًا، قد يكون بدء الخلاص أو نقطة الختام. كما أنّ الضحك في بعض دلالاته، ثقة راسخة بما هو أعلي وما هو أجمل وأكثر خيرًا وعدالة. ويقين لا يتزعزع بانتصار الحق علي الخسّة والصغار، والسمو علي الابتذال، وهو قبل هذا كُلّه وبعده، فعل وجود، تمامًا كالحقّ، لأنه قوام له أن لم يكن من كمالاتة.

وربما أكثر منه توحيه قراءة أعمال اميل حبيبي الروائية (سداسية الأيام الستة، الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، اخطية، سرايا بنت الغول). فهو صاحب صوت متميز تمتزج عنده الفكاهة بالسخرية في أسلوب مرح مكثف وواحد من المبدعين القلائل جدًا الذين يثيرون رغبة ملحّة بالبكاء والضحك معًا، بل تقتضي دقة القول أنه يضحك وأنت تبكي؛ لا علي أن الضحك والبكاء نقيضان، بل علي أنهما درجتان أو منزلتان في الحزن الصاعد إلي ذروة القهر والانشطار كما أنه يصل، من دون أن يفقد شيئًا من وجه الرؤية، إلي قناعة شبه تامة بأن الضحك هو وجه آخر للغضب المقدّس يحرس قيم الإنسانية. من أجل هذا يبدو الحديث عن السخرية في روايات اميل حبيبي معقدًا، ما لم نتّخذ إليها سبيلاً مناسبًا؛ ذلك لأنه قائم علي فهم الروح الفلسطينية في أعماقها العميقة، وأغوارها البعيدة، وهو ما يوقن أنه أمر فوق الدرس والتحصيل، وأن غاية ما يحصله القارئ هو الحدس والتمثيل والمعاينة وإذا كانت ثمة وشيجة بين الخاص والعام فهي هنا أمتن الوشائج، إذ تتعانق خصوصية الإنسان الفلسطيني بالضحك والسخرية في قدس أقداسها، ويملك الفلسطيني حق التمثيل بهذه السخرية في نكباته، إن صحّ التعبير وينطوي عطاء اميل حبيبي الأدبي بترسيخه لأسلوب جديد في الأدب الفلسطيني هو الأسلوب الساخر.

وتعدُّ هذه السخرية الروح المهيمنة علي نسيج رواياته منذ بدايتها إلي نهاياتها تنبثق فيها المفارقات المتعددة المتنوعة اذ تتكور لديه الفكاهة بالسخرية في أسلوب كوميدي يحْدِث انقلابًا في الدلالة، فتغدو رواياته مرصّعة بسخرية مشعة تتبعثر علي سطح أوراق رواياته، تقفز في حريةٍ وانطلاق يوحي للوهلة الأولي بعبثيتها وعشوائيتها، لكنها سرعان ما تكشف عن اتزانها وارتباطها بالموقف الروائي العام ارتباطًا وثيقًا .

تحليل رواية المتشائل - إميل حبيبي بقلم:د. محمد بكر البوجي (دنيا الوطن، 25/2/2016) يجدر بنا قبل المضي في تحليل الرواية أن نقدم لها ملخصاً، مع ما في ذلك من مشقة إذ تعتمد الرواية على المونولوج الداخلي الذي يختلط فيه الواقع الخارجي، بالواقع النفسي، وتتغذى الرواية بالرؤى والخيال والصور، وتعترض أحداثها التحولات والتشابكات، وبالتالي فإن رواية المتشائل لإميل حبيبي "لا يمكن تلخيص موضوعها كأي رواية تقليدية تعودنا على تلخيصها بعد قراءتها، لأن هذا التلخيص لا يمكن أن ينقل إلى من لم يقرأها خصوصيتها، ذلك الطابع النوعي شكلاً ومضموناً" ذلك أنها تبدو ظاهرياً بسيطة إذا عريناها من رموزها، واكتفينا بمحورها الجوهري، لكنها معقدة إذا أردنا اقتفاء تطورها الدرامي، ومدلولاتها المكثفة، ونكون صادقين إذا قلنا إنها من الصنف الذي أحرق الدهن وابتعد عن الترهل، واحتفظ بالعصب المكتنز.

إن محاولة اختصار الرواية أو تلخيصها تجد صعوبة كبيرة، فهي كالقصيدة الشعرية، فإن تلخيصها يفقدها وحدتها وتماسكها ويضيع إيحاءاتها، ويغيب ظلالها، وتعدديتها، ولا يفصح عن وجدانها، بل يجردها من صورها ونبضها وحيويتها، ومع هذا سنبذل جهدنا في تقديم الرواية بصورة مبسطة متماسكة.

الرواية مجموعة من الرسائل أرسلها سعيد أبو النحس المتشائل إلى الراوي بعد أن اختفى سعيد مع رجل الفضاء.

يقسم الكاتب روايته إلى ثلاثة أقسام، يطلق على كل قسم اسم "كتاب" له عنوان

الكتاب الأول: "يعاد". يضم عشرين مشهداً. في هذا الكتاب ينسب سعيد أبو النحس المتشائل إلى أسرة عريقة في بلادنا، يرجع أصلها -كما يقول سعيد نفسه- إلى مسبية حلبية أصلها من قبرص، من سبايا (تيمورلنك) سباها جده الأكبر أبجر بن أبجر، ثم يفسر سعيد اسم عائلة المتشائل، ويقول: إنه ادغام كلمتي المتشائم بالمتفائل، فشيمة هذه العائلة بين، بين، فلا هي بالمتفائلة، ولا هي بالمتشائمة، وفي هذا الكتاب أيضاً يروي قصة عودته إلى (إسرائيل) بعد أن غادرها أثناء حرب النكبة مع أهله إلى لبنان، وكيف أن حياته في هذه الدولة هي فضلة حمار، ثم كيفية التقائه برجل الفضاء في دياميس عكا، ثم سفره إلى مدينة حيفا، واشتغاله زعيماً في اتحاد عمال فلسطين الذي يرأسه معلمه يعقوب، رجل المخابرات الإسرائيلي، وفوقهما الرجل الكبير ذو القامة القصيرة، ثم يلتقي سعيد بيعاد ذات العينين الخضراوين صاحبته منذ أيام المدرسة، فقد لجأت إليه لمساعدتها في الإفراج عن والدها السجين، لكن عساكر الجيش يداهمون بيت سعيد ويقذفون بها إلى ما وراء الحدود، فيضيع أثرها.

الكتاب الثاني: "باقية". ويضم ثلاثة عشر مشهداً.

حيث يروي سعيد قصة التقائه بفتاة من قرية اسمها (باقية) فاتخذها زوجة له، فتفضي له بسرها العجيب، الذي احتفظت به طوال حياتها، سر خبأوه والدها قبل رحيله خلف الحدود، لقد خبأ في كهف في غور على شاطئ البحر الطنطورة صندوقاً حديدياً، ثم تلد باقية طفلاً أسمياه "فتحي"، ثم عدلا عن هذا الإسم إلى "ولاء" تحت ضغط معلمه رجل المخابرات.

يعلم ولاء من والدته بهذا السر، وكان قد أقام خلية تنظيمية مسلحة مع زملائه في المدرسة، ويجعلون من قبو مهجور على شاطئ الطنطورة مخبأ لهم، ومخزناً لأسلحتهم، واستطاعت السلطة أسر زملائه ولم يبق إلاّ هو فالتجأ إلى القبو المهجور على شاطئ البحر، طلباً للمقاومة والاستشهاد فيحاصره العسكر ويخف الرجل الكبير إلى سعيد والد ولاء كي يقوم مع أمه باقية بإقناع ولدهما بتسليم نفسه، فيدور بين ولاء وأمه حوار مؤثر، تكون نهايته أن تلتحم الأم بابنها لأن هناك في الصندوق رشاشاً آخر. فيغوصان في الماء، ولا يعثر لهما على أثر، وقيل إنهما غرقا في الكهف في أعماق البحر، في المكان الذي خبأ والد باقية فيه صندوقه الحديدي، فيضيع أثرهما، كما ضاع أثر صديقته يعاد.

الكتاب الثالث: "يعاد الثانية" ويضم اثنى عشر مشهداً.

وفيه يكون اللقاء مع يعاد الثانية، وهو خارج من السجن في إسرائيل، أما كيف دخل السجن، فذلك أنه في ليلة من ليالي الست العفريتة حين رفع علم الاستسلام فوق عصا مكنسة، ملبياً أمر المذيع العربي في محطة إسرائيل، الذي يدعو العرب المهزومين إلى رفع أعلام بيضاء فوق أسطحة منازلهم، يعتبر الرجل الكبير أن عمله هذا إساءة للدولة الجديدة، لأنه يشير إلى أن حيفا أرض محتلة، وهي جزء من الدولة.

في هذا الكتاب يبدأ تحول سعيد نحو الإيجابي، ويعي واقعه جيداً، ومكانته في هذا الواقع، ففي سجن شطه الرهيب يلتقي بسجين جريح، عرف أنه فدائي قادم من لبنان، اسمه "سعيد" أيضاً، فتسيطر على سعيد المتشائل لحظات حرجة مقارناً بين نفسه وبين سعيد الفدائي، فيشعر باعتزاز شديد وفريد اتجاه هذا الفدائي. وأثناء خروجه من السجن يلتقي ويعاد الثانية، التي جاءت لتسأل عن أخيها الفدائي، فيتعانقان، سعيد ويعاد الثانية، ويذهب بها إلى منزله القديم في حيفا، وقبل أن تطردها سلطات الاحتلال، تخبره بأنها ابنة يعاد الأولى، وبأن سعيد الفدائي الجريح أخوها، فيقرر سعيد أن يختفي فيطير مع رجل الفضاء، ثم يبعث برسائله هذه إلى الراوي أو الكاتب إميل حبيبي.

الأزمة والرؤية في رواية (المتشائل) لإميل حبيبي (مجلة فكر، 3/10/2019) نستطيع القول إنّ رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبيّ النّحس المتشائل) للرّوائي الفلسطيني إميل حبيبي قد كانت أداة تعبيره عن أزمته وأزمة عصره، وفضح معطيات واقعه وتساقط الكثير من رموزه، وترك بصمة غضبه وسخطه في سجل الإبداع؛ وقد انطلق من أزمته الخاص، واستعار شخصيّة (سعيد المتشائل)، ثم يسكب أزمته فيه، بعد أن قرّر(سعيد) أن يخوض معركة دونكشوتيّة فاشلة مع أوهامه التي تفترض أنّ من الممكن للفلسطينيّ أن يعيش مواطناً آمنًا ومحترمًا وكريمًا في دولة الكيان الصّهيوني، لقد خاض مغامرات طويلة في هذا الشأن، ثم خلص إلى أنّه مخدوع كبير، وعليه أن يؤمن أنّ الطريق الوحيد للفلسطينيّ هو طريق الكفاح المسلّح لأجل تحرير وطنه فلسطين من كلّ غاصب.

فـ(إميل حبيبي) في روايته التي كتبها في حيفا عام 1974 يتصدّى للفترة الزّمنية من 1948-1972 من عمر القضية الفلسطينيّة، وقد صوّر في روايته حياة الفلسطينيين على مدى عشرين عامًا في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي. وهي تمثّل وثيقة اجتماعيّة تاريخيّة تسرد قصّة شعب أُقتلع من وطنه، لتغدو هذه الرّواية ملحمة فلسطينيّة. وهي تتكونّ من ثلاثة كتب تقع في مجلد واحد.

فهذه الرّواية تغطي فترة عشرين سنة من القضيّة الفلسطينيّة، وحربين تاريخيتين هما: حرب عام 1948، وحرب عام 1967، وتستعرض حياة العرب الفلسطينيين الذين ظلوا تحت حكم إسرائيل بعد الهجرة القسريّة الجماعيّة التي تلت هاتين الحربين. و(إميل حبيبي) يلجأ إلى شخصية (سعيد) الفارس المنكود المتغابي الواهم كي يضعنا أمام حوادث التاريخ المعاصر، ويقدم لنا بدقة بعض التّفصيلات عن وضع العرب الصعب وما يلاقونه من مهانة في ظل الاحتلال الصّهيونيّ، وعن نضال العرب لمجابهة هذا الاحتلال.

وقد اختار (إميل حبيبي) أن يحمل بطل روايته اسمًا طريفًا وغريبًا؛ إذ يسميّه (سعيد) المتشائل، وهو يقوم برحلة طويلة ومؤلمة من داخل فلسطين إلى لبنان بعد احتلال فلسطين من قبل اليهود عام 1984، ثم يعود إليها مواطنًا من الدّرجة الثانية في دولة الكيان الصّهيوني، وهناك يعمل في وظيفة ولاء لعدوّه على أمل أن يصبح جزءًا من جسد هذا العدوّ، ولكنّه يخفق في ذلك على الرّغم من إخلاصه الشّديد لهم.

لقد اختار (سعيد) الفارس المتغابي المعروف بذعره وحماقته كي يندمج في مجتمع الكيان الصّهيوني، ولقد ذاق الذّل في سبيل ذلك، إلى أن دخل المعتقل الصّهيوني بعد عام 1967 بسبب خطأ اقترفه، وكان دوره عندئذ أن يتابع لعب دور الجاسوسيّة على أبناء شعبه من المقاتلين داخل المعتقل، ولكنّه هناك التقى بأحد مقاتلي المقاومة الفلسطينيّة، وهذا اللّقاء قلب حياة (سعيد) وشخصيته ومواقفه وأفكاره.

وبعد خروجه من السّجن يجد نفسه غير قادر على التّعاون مع الأعداء، فيدخل المعتقل الإسرائيليّ مرارًا حيث يُهان ويعذّب، وفي نهاية المطاف يعجز عن الالتحاق بالمقاومة الفلسطينيّة، ويجد نفسه في مأزق لا حلّ له، وهو الجلوس فوق خازوق.

لقد سخر (إميل حبيبي) في رواية من حقبة كاملة، ومن كلّ من أراد أن يسخر منه. وحين سئل عن السّخرية في الأدب؟ أجاب "ما من أدب عريق لأمة عريقة خلا من السّخرية، وحين سُئل ممن يسخر، أجاب إنّه يسخر من الدّولة العبريّة، من الظّالمين فيها، فحين لا يقوى على الحصول على سلاح يوازي سلاح الآخر، فثمة سلاح السّخرية الذي يقول للظّالم إنّه بغيه يرديه، وإنّ الضّعيف يمكن أن يجابه عدوه بهذا السّلاح. وأجاب إميل إنّه يسخر أيضًا من أبناء شعبه الذين لهم من العيوب ما لهم، وهو يأمل بسخريته أن يعالج هذه العيوب وتلك الآفات".

رواية (المتشائل) قد استطاعت أن تكون جنساً أدبيّاً ديموقراطيًّا، وهي بذلك تبحث عن واقع آخر خلف الذي تعيشه، إنّها باختصار ترفض الواقع، وتهزأ منه، وترسم العالم الواقع الحاضر وهي تشير إلى عالم آخر منشود، وبذلك تكرّس ديموقراطيّة الرّواية عندما "ترى الواقع المعيش واقعًا آخر، وترى الواقع المعيش متبدّلاً متحوّلاً قابلاً للاستبدال لآخر... حيث أنّ الرّوائي يعلّم شخصياته، ويتعلّم منها، ويضع على لسانها كلامًا أراده وتلقّنه كلامًا مغايرًا حين تشاء". لقد كانت السّخرية عند (إميل حبيبي) هي طريقته كي يحمي ذاته الهشّة، وهي أداته للتّعبير عن مأساة لا تستطيع الذّاكرة احتمال تفاصيلها.

 

Pour citer cette ressource :

"إميل حبيبي الباقي في حيفا - Revue littéraire ", La Clé des Langues [en ligne], Lyon, ENS de LYON/DGESCO (ISSN 2107-7029), décembre 2023. Consulté le 02/03/2024. URL: https://cle.ens-lyon.fr/arabe/litterature/contemporaine/revue-litteraire-emil-habibi-al-baqi-fi-hayfa