Vous êtes ici : Accueil / Littérature / Contemporaine / Textes inédits / في سرير الإيرلنديّ الميّت

في سرير الإيرلنديّ الميّت

Par Inaam Kachachi
Publié par Narimane Abd Alrahman le 27/10/2017
أعرف الآن أنني يمكن أن أحتمل السجن الإنفرادي، بعزلته وشظفه، إذا واصلت الصمود وأنهيت محكوميتي المُقرّرة لي في هذه الخلوة الأدبية

إنعام كجه جي
 

أعرف الآن أنني يمكن أن أحتمل السجن الإنفرادي، بعزلته وشظفه، إذا واصلت الصمود وأنهيت محكوميتي المُقرّرة لي في هذه الخلوة الأدبية. لست، بالتأكيد، قيد الإقامة الإجبارية. ولا أحد يراقبني ويحدد خطواتي ويمنعني من الخروج. أتمتع باستضافة كريمة للكتابة من النوع الذي تتيحه المؤسسات الثقافية للكتّاب الأجانب. لكن أين أذهب وأنا معلقة في الطابق الأخير من مبنى قديم بدون مصعد، كثير الأدراج والأقفال، بعيدة عن أُسرتي، في مدينة لا أتكلم لغتها ولا أعرف أحدًا فيها؟
 

لا مشواف هنا ولا مذياع ينقل لك كوارث الدنيا. أول رمضان من غير فيضان مسلسلات التلفزيون. ولولا هاتفي الذي يُفترض أنه ذكيّ وأقوى ذاكرة منّي، لاكتملت قطيعتي عن العالم. أليس هذا ما كنت أتمناه وأحلم به وأبحث عنه لكي "أتفرغ للإبداع"؟ يا لغرور الكاتب حين يتصوّر أن العالم كلّه، بضجيجه ومواعيده وإلتزاماته، يتآمر عليه لكي يصرفه عن صبّ جواهر قريحته على الورق. هذه هي شاشة حاسوبك أمامك، والطابعة، وكدسة الورق الأبيض، فهات أعاجيبك، لا عذر لك ولا مشاغل.

 

لم تكن غرفتي، والحق يُقال، سوى زنزانة خفيفة الدم. درت فيها أستكشفها فاستوقفتني مجموعة روايات مرتّبة على رفوف صغيرة. لغات العالم كلّها موجودة هنا. أمدّ يدي وأفتحها كتابًا بعد كتاب وأجد إهداءات دافئة بخطوط مؤلفيها. كم كاتبًا سكن في هذا المحبس، قبلي، وجلس إلى طاولة الكتابة، ورقد على هذا الفراش، وترك لي كلمات يتمنى فيها طيب الإقامة وحسن الإنجاز؟ تكفيني أنفاسهم التي مرّت من هنا لكي تطرد الوحشة وتستدعي النشاط.
 

نمت تلك الليلة في فراش الرعب الجميل. وفي الصباح التالي وصلت الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي للإنضمام إلى الكتّاب المدعوين. ولم يعجبها مدخل الفندق المتواضع، وخلوّه من مصعد ومن عامل يحمل الحقائب، وتركتنا إلى فندق فخم. لو تعرفين، يا أحلام، أي متعة فاتتك! هل هناك أفخم من الرقاد في حضن التاريخ؟
 

كنت قد رأيت مثل هذه المكتبة، بحجم أكبر وبأسماء أكثر شهرة، في فندق عتيق في لندن، نزلت فيه قبل سنوات. إنه يقع في حي سوهو، على بعد خطوات من دار "بلومزبيري" البريطانية للنشر. وقد اعتادت الدار أن تستضيف فيه الأدباء الأجانب الذين تتعامل معهم، حين يمرّون بالعاصمة البريطانية. وجرت العادة أن يطلب صاحب الفندق من ضيوفه، أن يتركوا في المكتبة نسخة موقّعة من رواياتهم. وأذكر أنني رأيت إهداءات بخط اليد لروائيين عالميين، لم أتصوّر أن تقع خطاي على خطواتهم، بينهم عدد من أصحاب "نوبل".
 

في تلك السنة، كانت مؤسسة قطر تدشّن مشروعًا لترجمة روايات عربية ونشرها بالتعاون مع دار "بلومزبيري". وتكرمّت الأديبة أهداف سويف واقترحت ترجمة رواية لي لتكون من بواكير الدار الجديدة. وهكذا وجدت في بريدي، ذات صباح، رسالة غريبة تحمل ختم القصر الملكي البريطاني، يدعوني فيها مدير البروتوكول لتناول الشاي مع الملكة إليزابيث، في حفل كبير يقام في قصر وندسور بمناسبة إنطلاق منشورات "قطر ـ بلومزبيري"، بحضور الشيخة موزة.
 

أعطوني في فندق "هازليت" غرفة في الطابق الثاني. وحال دخولي الغرفة رجعت قرنين إلى الوراء. سقف من الألواح الخشبية البارزة السوداء. مدفأة حجرية. مغطس رخاميّ بحنفيات مذّهبة. وسرير ذو ظهر منحوت عالٍ من الذي نراه في دكاكين الأنتيكا. ولكن من هذا الرجل ذو الشعر الناعم والعينين الساهمتين الذي يطالعني من لوحة زيتية كبيرة فوق المدفأة؟ قرأت الكتيّب الموجود على الطاولة وعرفت أن الفندق كان، في القرن الثامن عشر، مقصدًا للشعراء والفنانين. وما زالت كل غرفة من الغرف الثلاثين مسماة باسم أشهر من أقام فيها، مع لوحة مرسومة له. وفهمت أن الكاتب والناقد الإيرلندي وليم هازليت هو من نام في غرفتي، عام 1830. ويبدو أنه استغرق في النوم حتى لفظ آخر أنفاسه في الفراش. وبما أن الغرفة كانت محجوزة بعده لنزيل آخر، فإن مديرة الفندق لم تجد وقتًا لإبلاغ البوليس ولفلفت الجثة وأخفتها تحت السرير. وجاء الزبون ونام ملء جفونه عن شواردها، غافلًا عمّا تحته.

 

Ce texte a pu être publié grâce au concourt de :

Assises Internationales du Roman. En partenariat avec :

Institution incontournable de la scène culturelle à Lyon, la Villa Gillet rassemble artistes, écrivains et chercheurs du monde entier pour nourrir une réflexion publique autour des questions de notre temps à l'occasion de conférences, débats, tables rondes, et lectures.

 

Pour citer cette ressource :

Inaam Kachachi, "في سرير الإيرلنديّ الميّت", La Clé des Langues [en ligne], Lyon, ENS de LYON/DGESCO (ISSN 2107-7029), octobre 2017. Consulté le 22/07/2018. URL: http://cle.ens-lyon.fr/arabe/litterature/contemporaine/textes-inedits/dans-le-lit-de-l-irlandais-mort-en-arabe