Vous êtes ici : Accueil / Revue de presse / في ضرورة خلق مخيال آخر… هل ستموت مدننا العربية فعلا؟

في ضرورة خلق مخيال آخر… هل ستموت مدننا العربية فعلا؟

Publié par Faten Ajmi le 30/10/2020

القدس العربي

30 - أكتوبر - 2020

محمد التركي ربيعو

لعل ما يلاحظ في ما ينشر من كتابات عربية عن واقع المدينة المعاصرة، أن معظم الكتب والمنشورات، غالبا ما تتركز أو تنطلق من فكرة هجاء التحضر المديني عموما. فالمدينة العربية، التي عرفت في السابق بتلاحمها وحيويتها وقرب أهلها من بعضهم، واندماج الديني والدنيوي في فضائها، ستشهد مع بداية القرن العشرين تلوثا عمرانيا، كان سببه الأول، وفقا لهذه السردية، الفكر المعماري الكولونيالي، قبل أن تأتي الدولة الوطنية العربية لتقضي على ما تبقى، من خلال التضييق على الفضاءات العامة، وأيضا إهمال قطاع الخدمات، ما أتاح للإسكان غير الرسمي (العشوائيات) الانتشار في ظل غياب سياسات اقتصادية متوازنة في الريف، لتقوم لاحقا الدولة بالتحالف مع النيواليبرالية عبر تبني ودعم مشاريع المدن الصغيرة والمسورة؛ وقد وصف ما يحدث، بحسب عدد من الكتابات المعمارية، بأنه أقرب ما يكون لفكرة «موت المدن»، بحسب تعبير المعماري اللبناني إيلي حداد، الذي خلص في كتابه «إشكاليات العمارة الحديثة» إلى أن الأخطار التي تهدد المدينة العربية اليوم، وحتى العالمية، تتعدى أمور التلوث البيئي والتزايد السكاني، لتصل إلى عمق مفهوم المدينة، الذي يتعرض اليوم لخطر الذوبان في بحر الاقتصاد العالمي الحر، الذي لا يتوقف عند خصوصيات معينة. ويؤكد المعماري رهيف فياض في كتابه الأخير «نبض المدينة» على الفكرة ذاتها، التي أشار إليها حداد، حول موت مدينة بيروت اليوم مثلا، إذ يرى أن الانقسام الذي تعيشه المدينة اليوم، طائفيا وسياسيا، ليس وليد البنى الاجتماعية اللبنانية، بل وليد التطورات العمرانية، التي حدثت مع بداية القرن العشرين، مع قدوم الكولونيالية الفرنسية، لتأتي لاحقا مشاريع إعادة الإعمار، وآخرها مشروع التسعينيات، ليستعمل المخططون، ومعهم المعمرون، المبضع بقسوة في تصميم الأوتسترادات والبولفارات، فمزقوا جسد المدينة المكتظ، بدون أن يكترثوا بالبنيان الموجود. وربما من بين الدراسات والكتب أيضا التي سارت على الخطى ذاتها، الكتاب الصادر قبل أسابيع قليلة بعنوان «الإنسان والعمران واللسان: رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية» للباحث المغربي إدريس مقبول، إذ تتمثل فكرة الكتاب في أن مدننا العربية ليست في صحة جيدة، وأنها تعاني ما يدعوه في أحد الفصول بـ»باثولوجيا التمدن»، أي مرض التمدن، الذي يتمثل في أزمة عمارة بسبب دخول فن العمارة الغربية، وظهور ألسنة جديدة (الناطقين بالإنكليزية) وانتشار العامية بشكل أكبر، ما تسبب في انهيار المشهد المعماري العربي الأصيل. فالمدينة العربية في التاريخ الوسيط، كما يرى مقبول، كانت مدينة تعكس فلسفة الوجود والإنسان، وكان المسجد في قلبها لا يرمز للعبادة والتنسك فحسب، وإنما كان بمركزيته كذلك، رمزا لمركزية سلطة العلم والمعرفة، بينما نعيش اليوم أمام تخطيط لا يؤشر إلى هوية محددة، فهو الفوضى بامتياز؛ وفي حال أعرضنا قليلا عن تصور المؤلف للمدينة العربية التقليدية (جامع في المنتصف وبجانبه سوق ومنازل)، تصور وجده دايل ايكلمان غير ملائم لرسم نموذج نهائي للمدينة الإسلامية، فإن ما يسجل على هذه الدراسات والآراء سالفة الذكر، أنها تنطلق من فكرة واحدة تقول، إن واقع المدينة العربية سيئ، وإنها في طريق الاندثار والموت، وربما ما يدعم حجج هذه المدرسة، ما نشهده اليوم من دمار وتحلل مدن عديدة في العالم العربي، من بغداد، إلى الموصل ودمشق والقاهرة، وفاس، كما يسجل على هذه المؤلفات انطلاقها من فكرة تقول، إن الرأسمالية هي أصل الشرور وأصل فساد هذه المدن، ولذلك كثيرا ما نراهم يعجنون أفكارهم ويكسونها بأفكار مناهضي العولمة، وكتابات المعماريين اليساريين.

 

قراءة المزيد