Vous êtes ici : Accueil / Revue de presse / المعري والتخيل العلمي

المعري والتخيل العلمي

Publié par lfournier le 25/05/2021

جريدة القدس
الأحد - 23 مايو2021 - منصف الوهايبي

ذكرت مرة في مقال في «القدس العربي» إن أدب «الخيال العلمي» أو«التخيل العلمي» كما أفضل؛ اتخذ شكله الخاص عند منتصف القرن العشرين، لأسباب منها استقرار أسس النظرية النسبية، والتقدم العلمي الهائل الذي عرفه الغرب عامة. على أننا نقف على بواكير هذا الأدب، في «ملحمة كلكامش» و«ألف ليلة وليلة» و«رسالة الغفران» للمعري و«الكوميديا الإلهية» لدانتي… وهي ترتد كلها إلى نوع من التنبؤ بالمستقبل، أو الكهانة. وفيها ينشد الإنسان سعادة ما أو خلاصا ما، أو معنى ما يضفيه على حياته.
وأحاول في هذا المقال أن أتطرق إلى «التخيل العلمي» العجيب عند أبي العلاء المعري، من خلال «رسالة الهناء» وبعض شعره. والسجالات اللغوية في هذا الأدب العلائي كثيرة الغنى كثيرة التنوع. وهو شأنه شأن صاحبه الشامي أبي تمام، يرجع فيها إلى مصادر شتى دينية وعلمية، ومهن وصنائع مختلفة. وقلما حفل شعر قديم بمثل ما يحفل به هذا الأدب من حيث ثروة اللفظ، سواء ما اتصل منه بالعلوم والصنائع أو بالثقافة في معناها الواسع. وكثيرا ما يتخذ اللفظ فيه هيئة مصطلح علمي أو فني، قد يطويه التركيب أو اللغة طيا، وقد يبسطانه بسطا، بكلمة سابقة أو بأخرى لاحقة. وربما انتهى فرط التحديد والتقسيم بالشاعر إلى ربط الكلمات والأشياء جميعها برباط واحد، هو علاقة السبب بالمسبب والمعنى الشعري بالمعنى الاصطلاحي. لكن اللجوء إلى التشبيه والمراوحة بين التصريح والكناية والعدول إلى رحاب المجاز والاستعارة، تخفف من قيد المصطلح ومن دقته العلمية.
وإذا العلامات الأحادية التي تتمثل في العلم منظومة من المجردات تمثلا متسقا، تنتظم في النص في هيئة فريدة، حيث الكلمة موضوع على قدر ما هي إشارة، أو هي موضوع يبرح حيزه الاصطلاحي، ليشير إلى موضوع آخر، ويثير معاني كلمات أخر، تتصل به جرسا أو صوتا أو معنى أو اشتقاقا، أو حتى كلمات تعارضه وتنفيه. والمصطلحات الفلكية التي «تلاعب» بها أبو العلاء، حمالة مفاهيم دقيقة في وضع واضعها، وسلطتها سلطة مرجعية بالأساس، غير أنها تعقد في النص الشعري، صلات غير معهودة بين «الإشارة» «الشيء» المشار إليه، وتهدم وهي تجري في معابر البيان والاستعارة وشتى صنوف المجاز، وتنعطف في منعطفاتها؛ المواضعات اللغوية المألوفة، التي تتمثل خارج النص نظاما متصورا للأشياء.
في «رسالة الهناء»(ت. كامل كيلاني) يجنح الخيال العلائي بعيدا في المستقبل؛ فيتمثل ما يجوز أن يتحول من ممتنع مستحيل، إلى ممكن؛ مثل إمكان تحلية البحر، فيغدو الملح المر عذبا كأنه عسل: «ولا يمتنع في القدرة أن يعذب الماء الأجاج، فيعود كأنه من النحل مُجاج» أو تتحول السفينة إلى سفينة فضائية، تسبح في مسابح النجوم محمولة على متن الهواء شعلة من قبس، في يد قابس يعدو سريعا بلهب مشتعل: «تسير السفينة على اليبس، وتضيء كإضاءة القبس في يد متعجل وشيك، أو تحملها الريح الهابة كحملها عرش المؤمنة بلقيس». ويتحول ما في الطبيعة من رياض وأشجار وأزهار وورود، إلى أثواب من الديباج والحرير؛ للغني والفقير والمعسر وذي الفاقة. وتنطق جبال الروم، فتقول:»ليت ما تنبت بلادنا من الرياض، وما اكتسى به الشجر المثمر أو الغياض، يصير كله من ديباج».

قراءة المزيد